لستُ نسوية… فهل يعني هذا أنني ضد حقوق المرأة؟
بين شعارات النسوية وخطاب الذكورية… هناك ضجيج كثير وقليل من الفهم
قبل فترة وجيزة، خضت نقاشًا على منصة Reddit مع أحد الأشخاص حول التيارات النسوية. أوضح لي ذلك الشخص بأنهُ مُناهض للنسوية، لكنه في الوقت نفسه يدعم حقوق المرأة ويحترمها. أخبرته بدوري أنني أؤمن بحقوق النساء أيضًا، بل وأنا من أشد المدافعين عنها… ولكنني لا أُعرّف نفسي كنسوية.
ومع ذلك، لاحظنا أن كلانا غالبًا ما يُساء فهمه، وكأن رفض الانتماء للنسوية يعني بالضرورة معاداة المرأة أو الوقوف ضد حقوقها.
هل يجب أن أكون نسوية حتى أدعم حقوق النساء؟
لقد دفعني التفكير في هذا التساؤل إلى كتابة هذا المقال، لأنه يبدو أن هناك التباسًا شائعًا بين دعم حقوق المرأة والانتماء إلى النسوية. ولهذا، ارتأيت أن هنالك حاجة لتوضيح بعض المفاهيم وتصحيح هذا الفهم السطحي الذي يربط النسوية حصريًا بالدفاع عن المرأة.
كثيرًا ما أُتَّهم بأنني ضد حقوق المرأة لمجرد أنني لا أُعرّف نفسي كنسوية. لاحظت أنّ الكثير من الناس لا يدركون أن هناك فرقًا واضحًا بين دعم حقوق النساء والانتماء إلى الحركة النسوية.
في هذا العصر، حتى من لا يؤمن بالنسوية قد يفترض أن أي امرأة تهتم بقضايا النساء لا بد أن تكون نسوية. وهذا، بصراحة، أمر ساذج ومرهق في آنٍ واحد… لأنني أجد نفسي مضطرة إلى أن أفسّر وأبرر موقفي طوال الوقت.
فعندما أدافع عن حقوق المرأة، يُفترض فورًا أنني نسوية، وإن عبّرت عن موقفي الرافض للتيارات النسوية، يُنظر إليّ وكأنني ضد حقوق النساء. وكأن لا خيار ثالث، ولا مساحة للتفكير النقدي خارج هذا التصنيف الضيق.
النسوية الحديثة وتفكيك الفطرة
النسوية الحديثة، وخاصة تلك المتأثرة بأفكار سيمون دي بوفوار، تجاوزت المطالبة بالحقوق والمساواة القانونية، وأصبحت تدفع نحو إنكار الفروقات البيولوجية بين الرجل والمرأة، بل والسعي إلى تفكيك مفهومي الذكورة و الأنوثة باعتبارهما مجرد بناءات اجتماعية لا علاقة لها بالفطرة أو الطبيعة.

هذا التحوّل في الخطاب فتح الباب أمام كثير من الإرباك والجدل، خاصة في المجتمعات الغربية، حيث أصبحت الحدود بين الهويات غير واضحة، وأُثيرت أسئلة عميقة حول الهوية والجندر والدور الاجتماعي.
في الولايات المتحدة مثلًا، وصل الأمر إلى حدّ أن كلمة امرأة أصبحت تُعدّ مسيئة عند البعض، وصار بإمكان الناس أن يُعرّفوا أنفسهم قانونيًا كحيوانات أو شخصيات خيالية. ومع أن وصول ترامب إلى الحكم أعاد الاعتبار قانونيًا لجنسين فقط “الرجل والمرأة”، إلا أن الخطاب النسوي لا يزال يملك حضورًا قويًا في المشهد الثقافي والإعلامي هناك.
العدالة لا المساواة المطلقة
كثيرًا ما يُطرَح مفهوم المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة كأنه الحل السحري لكل ما تعانيه النساء. لكن، بصراحة، كلما سمعت هذه الفكرة،شعرت أن هناك شيئًا ناقصًا. لأن المساواة التامة، رغم أنها تبدو عادلة على السطح، قد تتحوّل إلى ظلم حين تُنكر الفروقات الفطرية بين الرجل والمرأة.
من وجهة النظر الإسلامية، لم يأتِ الإسلام ليُقر المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، بل جاء ليُقر العدالة، لأن المساواة التامة قد تكون أحيانًا ظلمًا للمرأة، وليس إنصافًا لها. ليس لأنّ المرأة أضعف أو أقل قدرة، وإنما لأن العدالة تقتضي مراعاة الخصائص والاحتياجات المختلفة لكل من الجنسين، بينما تؤدي المساواة الصارمة إلى تجاهل هذه الفروق.
العدالة في الإسلام لا تُقصي المرأة، بل تحترم خصوصيتها وتراعي اختلافها، لا على أنها نقص، بل على أنها تميّز.
لم يُطلب في الإسلام من المرأة أن تُصبح نسخة عن الرجل، ولا أن تدخل في صراع معه لتثبت جدارتها. مثلما يحدث في الغرب،أين أصبح تتُعامل المرأة كالرجل تمامًا. ما قُدم لها كان أكبر من المساواة… قُدمت لها العدالة.والعدالة هنا ليست شعارًا؛ بل منظومة واقعية أعطت المرأة فضاءها لتكون كل ما تريده، من غير أن تُفرّط في فطرتها أو تتنكر لأنوثتها.
حين يُقال إن الإسلام قيّد المرأة، أتساءل دائمًا…أي إسلام يُقصد هنا؟ هل هو الإسلام الذي أنشأ نساءً كنّ تاجرات ومعلّمات ومجاهدات وملكات؟
خديجة بنت خويلد،مثلًا ،لم تكن فقط أول من آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم ، بل كانت أيضًا سيدة أعمال ناجحة،قوية و مستقلة ،تدير تجارتها بكفاءة، ويعمل لحسابها رجال، بمن فيهم رسول الله نفسه.
نجد كذلك عائشة بنت أبي بكر كانت فقيهة وعالمة، علّمت الصحابة أنفسهم، ونُقل عنها أكثر من ألفي حديث، وكانت مرجعًا فقهيًا في مسائل دقيقة يعجز عنها كبار الصحابة.
وفي ساحة المعركة، كانت المرأة حاضرة أيضًا….أم عمارة نسيبة بنت كعب قاتلت إلى جانب النبي في معركة أُحد، ودافعت عنه دفاعًا شرسًا،وأصيبت بأكثر من جُرح.
وفي غزوات أخرى، كانت هناك أيضًا أم سليم، زوجة الصحابي أبي طلحة، التي خرجت مع النبي وهي تحمل خنجرًا في خمارها، قائلة: “إن دنا مني أحد من المشركين، بقرتُ بطنه.”
و في شمال أفريقيا لم تكن المرأة المسلمة غائبة عن المشهد… لالة فاطمة نسومر، واحدة من أبرز رموز المقاومة الجزائرية، لم تكن فقط حافظة للقرآن، مثقفة، وواعية بدينها وقضايا أمتها.بل كانت أيضا مجاهدة بالسلاح. في منتصف القرن التاسع عشر، قادت المقاومة الشعبية في منطقة القبائل ضد الاستعمار الفرنسي، بشجاعة ودهاء أثارا إعجاب الأعداء.حتى أن الفرنسيين أطلقوا عليها لقب جان دارك الجزائر، رغم أنها لم تكن بحاجة لمقارنة بأحد لتُثبت بطولتها ومكانتها.
كما نجد الشفاء بنت عبد الله التي كانت فقيهة وإدارية، عيّنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشرفة على السوق.
وفي السياسة، حكمت الملكة أروى الصليحي اليمن لعقود، وكانت تُلقب بـالسيدة الحرة، وكان لها رأي ومكانة واحترام يفوق كثيرًا من الرجال في عصرها.
ولو عدنا للتاريخ الأبعد، نجد ملكة سبأ التي وردت قصتها في القرآن،كانت حاكمة عاقلة وعادلة، قادت شعبًا، و أدارت مملكة، ثم آمنت بالله وأسلمت، لتُصبح مثالًا على حكمة المرأة وقوة إدراكها.
وفي العلوم، كثيرون لا يعرفون أن هناك عالِمات مسلمات قدّمن إسهامات رائدة.مثل مريم الإسطرلابي، من القرن العاشر الميلادي، التي طوّرت أدوات فلكية معقّدة كانت تُستخدم في الملاحة وتحديد اتجاه القبلة.
وأيضًا فاطمة الفهرية أسست واحدة من أعرق الجامعات في العالم “جامعة القرويين في فاس”، في وقت كانت فيه المرأة في أوروبا تُعتبر كائنًا ناقص الأهلية.
وكانت هناك عديد من النساء المسلمات يدرّسن الطب والفلك والشريعة، ويساهمن في النهضة الإسلامية في زمن كانت فيه أوروبا تحرق النساء العالمات بتهمة السحر.
هذه النماذج، تؤكد لنا أنّ مكانة المرأة في التاريخ الإسلامي ليست كلامًا نظريًا…بل واقع وُثق وامتد لقرون.
و تُخبرنا أن المرأة، حين تأخذ حقها الحقيقي في العدالة، لا تحتاج إلى شعارات، ولا إلى حركات مستوردة لتُثبت ذاتها.لأن العدالة التي تُراعي الفطرة، وتُبني على التقدير الحقيقي، لا تهمّش أحدًا… بل ترفع الكل.
كل هذه الأمثلة ليست تكرارًا لعبارة “المرأة عظيمة في الإسلام”، بل هي نماذج حيّة لنساء لم يحتجن إلى خطاب مساواة ليثبتن قيمتهن، لأن العدالة كانت كافية لمنحهن المكانة التي يستحقنها.
اختزال النسوية وتبسيطها
الكثير من الفتيات اليوم ينظرن إلى النسوية نظرة سطحية، ويختصرنها في كونها مجرد مطالبة بالحقوق الاجتماعية، أو القانونية، أوالسياسية، معتقدات أن هناك تيارات مسالمة وأخرى متطرفة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير من هذا التصور المبسّط.
فمن يتعمّق في دراسة الفكر النسوي، يجد أن ما يُطرح من شعارات جذابة ليس سوى قشرة خارجية تُخفي وراءها منظومة من المفاهيم المشوهة والمتطرفة.
مفاهيم تصل إلى حدّ إلغاء الفروقات البيولوجية بين الرجل والمرأة، وإنكار مفهومَي الذكورة والأنوثة، بل وتبرير ظهور ما يُعرف بـ”الجنس الثالث” تحت شعار المساواة. كما تسعى بعض هذه التيارات إلى طمس الخصوصية الأنثوية ومعاملة المرأة كرجل في كل شيء، في تجاهل تام للطبيعة الفطرية، والنفسية، والوظيفية التي يتميّز بها كل جنس عن الآخر.
من النسوية الكلاسيكية إلى الجندرية
لقد تحولت النسوية من المطالبة بالحقوق إلى تفكيك الفطرة…حيث أن النسوية الحديثة لم تَعُد تُراعي الطبيعة الفطرية المغايرة بين الرجل والمرأة، تلك الطبيعة التي تلعب دورًا جوهريًا في تشكيل اهتمامات كلٍّ منهما وتوجيه خياراتهما في الحياة بشكل مختلف.
من وجهة نظري، فإن النسويات المنتميات إلى الموجة الكلاسيكية الأولى، واللواتي ناضلن بطريقة مشروعة من أجل حقوق أساسية للمرأة،كنّ يُمثّلن حركة نقيّة ومتزنة. لكن للأسف، تم استبدال هذا النموذج المتوازن اليوم بما يُعرف بـ”النسويات الجندريات”، اللاتي يتبنّين أفكارًا راديكالية تُنكر الفروقات البيولوجية وتُقوّض الفطرة باسم التحرر والمساواة.
حين يُقدّم المجتمع دينًا مشوّهًا... وتدفع النساء الثمن
من الظلم أن نحمّل النساء وحدهن مسؤولية انجذاب بعضهن إلى الحركات النسوية، أو افتراض أنهن يُقبلن على هذه التيارات بدافع التمرد أو الجهل الديني. الواقع أكثر تعقيدًا، وتفسيره يتطلب فهماً أعمق للبيئة التي تتشكّل فيها تصورات الناس، خصوصًا فيما يتعلق بالدين والمرأة.
كثير من الفتيات لا يتلقين صورة الدين من مصادره الأصلية، بل من خلال سلوك المجتمع من حولهن. والمشكلة هنا أن المجتمع بوعيه الجمعي و خطابه الشفهي والرمزي، لا يُقدّم دائمًا نسخة منصفة أو نقية من الدين، بل في أحيان كثيرة يعكس مزيجًا من الأعراف الاجتماعية، والتقاليد الثقافية، والتفسيرات الدينية الانتقائية، والتي كثيرًا ما تُقدم المرأة في صورة دونية، أو تُعاملها باعتبارها مصدر تهديد دائم يجب ضبطه والسيطرة عليه.
في مثل هذه البيئات، يُصبح الدين بالنسبة لبعض النساء مرادفًا للقيود المفروضة لا للكرامة، ولممارسات تمييزية لا للعدالة. وبالتالي، فإن اللجوء إلى الحركات النسوية لا يكون بالضرورة موقفًا عدائيًا من الدين، بل قد يكون ردّ فعل على تجربة دينية مشوّهة ومؤلمة، مصدرها ليس الدين في ذاته، بل الطريقة التي يُمارس ويُفسّر بها على مستوى المجتمع المحلي. وحين تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي تعرفها الفتاة عن الدين، فليس غريبًا أن تبدأ بالبحث عن إجابات خارج هذا الإطار. ولهذا نجد عددًا من النساء يلجأن إلى التيارات النسوية، لا حبًا بها أو اقتناعًا تامًا بأطروحاتها، بل لأنهن لم يجدن من يمنحهن شعورًا بالكرامة والعدالة داخل هذا الجو الذي يُفترض أن يكون روحيًا ونقيًا.
هذا الواقع يفرض على المهتمين بالشأن الديني أن يتعاملوا مع المسألة بوعي نقدي، وأن يميزوا بين جوهر الدين وتعاليمه، وبين الصور المشوهة التي قد يحملها الخطاب المجتمعي عنه. فغياب هذا التمييز هو ما يدفع البعض إلى الخلط بين الدين ومظاهر التسلط التي تمارَس باسمه. وليس من الغريب أن تبحث بعضهن عن إجابات في مكان آخر، كالحركات النسوية.
في النهاية، لستُ من الذين يبررون كل توجه نسوي، لكنني أفهم تمامًا الدوافع التي تجعل بعض النساء يبحثن عن بدائل. من الضروري الاعتراف بأن مشكلة الانجذاب لبعض الطروحات النسوية لا تعني دائمًا وجود أزمة في قناعات النساء، بل قد تكون في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لأزمة في طريقة عرض الدين ذاته. وإذا لم يُبذل جهد حقيقي لاستعادة الخطاب الديني المتوازن، وتحريره من التراكمات الثقافية الظالمة، فإن البحث عن بدائل سيبقى مستمرًا، وربما يتوسع.
الدين الحقيقي، حين نعود إلى مصادره، يعامل المرأة بكرامة، ويخاطبها كإنسان كامل الأهلية، له عقل، وروح، وإرادة…وليس إنسان من الدرجة الثانية.لكن المشكلة أن هذا الدين الصافي لا يصل إلى كثير من النساء، بل يصل إليهن من خلال تصرفات ومفاهيم مشوّهة.
مُناهضة النسوية بأسلوب عدائي
شريحة كبيرة من مناهضي النسوية يزيدون الطين بلة… بدلًا من إيجاد حلول فعلية و بدائل عقلانية أو نقاشات بنّاءة….لهجتهم تكون حادة،مليئة بالسخرية أو الهجوم المباشر ،وعدوانية في كثير من الأحيان.معتقدين أن الصراخ والانتقاد اللاذع قد يكونان وسيلة فعّالة. لكن الواقع أن هذاالأسلوب لا يُنتج حوارًا، بل يُغلق الأبواب ويعزز التوتر. وبدل أن يُقلل من تأثير الخطاب النسوي، فإنه يدفع بعض الفتيات للتمسك به أكثر،دفاعًا عن أنفسهن لا عن الفكرة بالضرورة.
ما يغيب عن أذهان هؤلاء هو أن الأسلوب الهجومي لا يُقنع، بل يُنفر.يُفقد الرسالة معناها، ويجعلها تبدو وكأنها تهدف للإسكات أو الإلغاء لا للفهم أو التصحيح. فينقلب الأمر ضدهم، وتضيع فرصة التأثير الحقيقي في خضم ردود الأفعال الدفاعية.
إذا كنا جادين فعلًا في الرغبة بتقديم رؤية بديلة ومتوازنة، فعلينا أن نُغيّر من طريقة طرحنا. نحتاج إلى تبني أسلوب حواري هادئ، قائم على الاحترام والتفاهم، لا إلى الهجوم والتقليل من الآخر. بهذا فقط يمكننا أن نفتح الباب لفهم مختلف… وربما لتغيير حقيقي يساعد الآخر على رؤية الأمور من زاوية مختلفة.
الذكورية المتطرفة… الامتداد العكسي للتطرف النسوي
تمامًا كما أن هناك النسوية، هناك أيضًا ما يُعرف بـ “الذكورية”، أو ما يُسمى على الإنترنت بـالـ Manosphere، وهو فضاء رقمي يجتمع فيه الرجال للحديث عن الأدوار الجندرية، والعلاقات، وما يعنيه أن تكون رجلًا حقيقيًا في نظرهم.
ورغم أن هذا التوجّه يبدو حديثًا، إلا أن جذوره تمتد إلى عصور سابقة على ظهور النسوية بمفهومها الحديث. لكنه اليوم أصبح أكثر وضوحًا وانتشارًا بفضل الإنترنت ووسائل التواصل.
وغالبًا ما يُطرح كرد فعل مباشر على الخطاب النسوي المتطرف، ليشكّل في النهاية وجهًا آخر لنفس الأزمة…أزمة فهم فطرة الإنسان، وتوازن العلاقة بين الجنسين.
المثير للاستغراب هو أن النسوية كثيرًا ما تتعرض للنقد، بينما لا تُنتقد الذكورية المتطرفة بالقدر نفسه.
ربما يعود ذلك إلى أن البعض يراها كرد فعل على الحركات النسوية، أو كطريقة لاستعادة السيطرة أو التوازن. لكن في الواقع، ما نراه الآن ليس رجولة متزنة، بل ذكورية متطرفة، غالبًا ما تتضمن مضامين معادية للنساء (misogynistic)، سواء بشكل مباشر أو مغطاة بعبارات تحفيزية.
أندرو تيت هو أحد أشهر رموز هذا التيار اليوم. يروج لصورة الرجل المسيطر، الناجح ماديًا وجنسيًا، والذي لا يعترف بالضعف أوالتعاطف إطلاقًا. خطابه يحتوي على مضامين ميزوجينية واضحة، رغم أنه يحاول إخفاءها وتبريرها تحت فكرة “تحفيز الرجال ليكونوا رجالًا حقيقيين”.
وبصراحة، أرى أن هذا النوع من الذكورية المتطرفة ليس مختلفًا كثيرًا عن التيارات النسوية. كلا الطرفين يتحدث بلغة مطلقة، يستخدمان خطابًا متطرفًا، يلوم الآخر، ويخلقان فجوة أكبر ومزيدًا من الانقسام بدلًا من بناء جسر للحوار والفهم والتعايش.
أين بدأ كلّ شيء ؟
لفهم جذور الحركة النسوية، من المهم أن نرجع قليلاً إلى الوراء. فقد بدأت ملامحها الأولى من خلال حركتين بارزتين عُرفتا باسم SuffragistsوSuffragettes.
كلتاهما ضمت نساء ناشطات ناضلن من أجل حق المرأة في التصويت، ولكن اختلفتا في أسلوب العمل والتنظيم؛ إذ اتبعت الأولى أسلوبًا سلميًا ومنظمًا، بينما لجأت الثانية إلى وسائل أكثر تصعيدًا واحتجاجًا.
ظهرت Suffragists في القرن التاسع عشر، خصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة، وكانت تعتمد بشكل أساسي على الطرق السلمية مثل تنظيم المسيرات، كتابة الرسائل، والحملات القانونية من أجل الضغط السياسي. تأسست جمعية الناخبات الوطنية (National Union of Women's Suffrage Societies) في بريطانيا عام 1897، وقد كانت الرائدة الفعلية والمعلنة للجمعية هي الناشطة البريطانية ميليسنت غاريت فوست ، التي حملت منصب الرئيسة من 1898 حتى عام 1919، وكانت تمثل النهج المعتدل والسلمي في المطالبة بحق التصويت.

في المقابل، ظهرت حركة Suffragettes في أوائل القرن العشرين، وبالتحديد في بريطانيا عام 1903، بقيادة إميلي بانكرست التي أسست جمعية النساء الاجتماعيّات والسياسيّات (Women's Social and Political Union). تميزت هذه الحركة باستخدام أساليب أكثر تصعيداً، منها الإضرابات عن الطعام، التظاهرات الحازمة، وأحياناً أفعال تخريبية، بهدف تحقيق حق التصويت للنساء بشكل أسرع وأكثر قوة.

ركزت الموجة النسوية الأولى على الحقوق القانونية مثل حق التصويت، وحق التملّك، وحق التعليم، والاعتراف القانوني بالنساء كمواطنات كاملات الحقوق، وذلك لأن النساء في الغرب، خصوصًا، كنّ محرومات من هذه الحقوق؛ فلم يكن لهنّ الحق في التصويت، ولا في التعليم العالي، ولا في امتلاك الممتلكات بعد الزواج، وحتى الأبحاث التي كانت تُنجزها النساء كانت تُنسب غالبًا إلى أزواجهن أو شركائهن من الرجال.
في تلك المرحلة، لم يكن هناك حديث عن المساواة الجندرية، ولم يكن يُطلق على الناشطات اسم "Feminists"، إذ لم يظهر هذاالمصطلح إلا في أواخر القرن التاسع عشر. فقد ظهرت كلمة "Feminism" لأول مرة بالفرنسية féminisme حوالي عام 1872،على يد الكاتب ألكسندر دوما الابن، لكن بسياق سلبي وانتقادي، بينما بدأت كلمة Feminist تُستخدم لاحقًا في أوائل القرن العشرين. لذلك، فإن النساء الأوائل لم يصفن أنفسهن بـ Feminists كما نفهم الكلمة اليوم، بل استخدمن تعبيرات مثل "مطالِبة بحقوق النساء" أو "مدافعة عن حقوق الإنسان". ولهذا، بالنسبة لي، الموجة النسوية الأولى أنقى شكل من أشكال الحركة النسوية، لأنها كانت تركز على حقوق أساسية وعادلة دون تشعّبات أيديولوجية أو مفاهيم جدلية لاحقة.
ما يجب أن نفهمه من هذا العرض التاريخي هو أن النسوية لم تظهر من فراغ، بل وُلدت في سياق ثقافي وتاريخي خاص بالمجتمعات الغربية، حيث كانت النساء محرومات من أبسط الحقوق، مثل التصويت وامتلاك الممتلكات والتعليم. و حتى في ذلك الوقت، لم تكن المطالب تدور حول المساواة الجندرية كما يُطرح اليوم، بل كانت تتركز على استرداد حقوق قانونية وإنسانية أساسية. وحتى مصطلح النسوية لم يكن مستخدمًا بعد، ولم تكن تلك الحركات تُعرّف نفسها بأنها نسوية كما نفهمها الآن. وهذا ما يجعل الموجة الأولى مختلفة تمامًا عن الحركات النسوية الجندرية المعاصرة التي نشأت لاحقًا، والتي تحمل رؤى وأهدافًا أوسع وأحيانًا أكثر جدلًا. لذلك، من الضروري أن نُدرك أن تلك الحركات ظهرت في سياق يختلف تمامًا عن السياق الثقافي والتاريخي في مجتمعاتنا، سواء من حيث القيم أو طبيعة التحديات، مما يعني أن استنساخ التجربة كما هي قد لا يكون مناسبًا أو دقيقًا دائمًا.
هل من بديل؟
أن أرفض الانتماء للنسوية لا يعني أنني ضد النساء.وأن أؤمن باختلاف الرجل والمرأة لا يعني أنني أُقلل من شأن أي منهما.
المشكلة ليست في مصطلح "النسوية" فقط، بل في الخطاب الأحادي الذي يُقصي كل من لا يتبناه. كما أن "الذكورية" ليست الحل، بل هي صورة أخرى لنفس الأزمة.
نحتاج اليوم إلى طرح يعيد التوازن. يعترف بالاختلاف دون أن يصنّفه كتهديد، ويرى في العدالة قيمة تستحق أن تُفهم وتُطبّق، لا مجرد شعار يُرفع.ويأخذ بعين الاعتبار السياق الثقافي والتاريخي، لأن استنساخ الحلول لا يصنع وعيًا، بل يخلق أزمة جديدة.
إذا أردنا أن نقنع ونؤثر، فلن يكون ذلك عبر الصوت المرتفع أو الشعارات المطلقة، بل بالفهم العميق، والحوار، والمبادرة إلى تقديم نموذج بديل يحترم المرأة والرجل معًا، دون أن يُحوّلهما إلى خصمين في ساحة صراع لا تنتهي.





أردت فقط أن أشكرك. كلماتك أبكتني، والله.
لطالما حملت هذه الأفكار داخلي، بصمت، وظننت أحيانًا أنني مجنونة، أو شديدة الحساسية، أو مختلفة أكثر من اللازم. كنت دائمًا في صفّ المرأة، أؤمن بقيمتها، بكرامتها، بقوتها الفطرية، ولكنني لم أستطع يومًا أن أسمّي نفسي «نسوية». ليس لأنني لا أهتم بالمرأة، بل لأنني أرفض اختزال هذا الحب وهذا الدفاع في حركة لم تُبْنَ من أجلنا أصلًا.
النسوية لم تشمل نساء مثلي — عربيات، مسلمات، محجبات، من العالم الجنوبي. لم تُنصف جدّاتي، ولم تحمِ أخواتي في فلسطين أو السودان أو أفغانستان. لا أنسى يوم خرجت كامالا هاريس على التلفاز وقالت إنها ستستمر في دعم إسرائيل في قصفها لغزة، ورغم ذلك، كانت النسويات يهتفن لها فقط لأنها امرأة! في تلك اللحظة، انكسر شيء بداخلي. أدركت أن هذا ليس عدلًا… بل هو سعيٌ للمشاركة في سلطة فاسدة.
لا أريد أن أكون ضمن حركة تغضّ البصر حين تُسحَل النساء المسلمات وتُجَوَّع وتُغتَصب وتُقتل، ثم تطلب مني أن أكون ممتنة لها لأنني نلتُ تعليمًا وحرية! لا. أنا ما أنا عليه بفضل ديني، وعائلتي، وإرثي، وربّي. لا بفضل حركة تصنّفني “قضية” عندما تحتاج إلى إثباتات، وتتجاهلني عندما أنزف.
شكرًا لكِ لأنكِ كتبتِ ما كتبته. لقد ذكّرتِني أنني لست مجنونة… بل لست مُستعمَرة. وهناك أخريات مثلي، والحمد لله
صراحةً مقال جميل، عالرغم من إختلافي معك في نقاط معينة.
فإذا كنا نتوجّس من تسمية المصطلحات بأسمائها لمجرد سمعتها المشوهة ، فلا نتوقع أن نجد حلاً.
فالنسوية كفكرة تشير إلى دعم حقوق المرأة بغض النظر عن ما يحمله بعض أصحابها من معتقدات،وأفكار.
فكوني نسوية لا يعني بالطبع إني أتبنّى كل أفكار، ورؤى،وأطروحات حامليها لأنها تتفرع لتفرعات وتيارات عدة فهناك النسوية الليبرالية، والراديكالية، والإسلامية…. ولربما أتفهم من لا يفضلون قول أنا نسوي/ة، تفاديًا عناء الصورة النمطية المشوهة، وقول بدلاً من ذلك "أنا أدعم حقوق المرأة". وهذا اللي أشوفه غريب لأن هذا هو مبدأ النسوية.