الوردة البيضاء…صمتٌ يبتلعُ العالم
الوردة التي حملت أكثر ممّا يُحتمل
أحببتُ الورود البيضاء منذ أن كنت صغيرة...
لم تكن مُجرّد زهرة في عيني، بل بقايا حكاية كانت أمّي تهمس بها لي كلّ مساء قبل النوم، حين طلبت بيل في قصّة الجميلة والوحش من والدها وردة بيضاء واحدة فقط، بينما طلبت أخواتها أشياء أخرى كثيرة. كنت أتساءل دائمًا…لماذا اختارت الوردة البيضاء بالذات؟ لماذا هذه الوردة، من بين كل الألوان والأشكال؟
كبرتُ… وكبر معي هذا التساؤل. ثمّ أدركت أن تلك الوردة لم تكن مجرّد طلب بريء، بل كانت بداية رحلة... رحلة قادتها نحو مصيرها.
ومع الوقت، شعرت أنني بدأت أشبه تلك الوردة، في هدوئها، في تناقضاتها، في بساطتها التي تخفي عمقًا لا يُقال.
لقد كانت وردة واحدة فقط، لكنها حملت كل المعاني. ومنذ ذلك الوقت، ظلّت الوردة البيضاء بالنسبة لي وعدًا بشيء جميل، غامض، وصامت... شيء يشبهني، أو يشبه ما ظلّ بداخلي من تلك الحكاية.
أحببت الورود البيضاء... لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها تخبّئ شيئًا لا يقوله أي لونٍ آخر. شيءٌ صامت، لكنه يلمع في داخلي كلما نظرتُ إليها.
ولعلّ هذا هو السبب الذي جعلني أكتب هذا النص...
“تحت قدمي أفروديت، تفتّحت ورود بيضاء، شاهدة على ولادة الحب... ونهايته.”
ريـم | Renegade
في عالمٍ يضجُّ بالألوان الصاخبة، حيث تتسابق جميعها لتثبت وجودها، تظلّ الوردة البيضاء صامتة، متحفِّظة، كأنها تبتلع ضجيج العالم بأكمله دون أن تفصح عمّا يدور في داخلها… لا تنتمي إلى الضوء ولا تغرق في العتمة، كيانٌ عالقٌ بين النور والظلام، بين الحضور والغياب.
ليست بريئة كما يظنّون، بل شاهدٌ صامتٌ على أسرارٍ لم تُروَ، على حبٍّ لم يكتمل، وقرارٍ لم يُحسم. هي لون الحقيقة التي لم تُكشف بعد، لون الفراغ الذي لم يُملأ، لون الصوت الذي لم يُنطق بعد.
في لونها تكمن كلّ الألوان التي رفضت أن تنتمي إليها. الأبيض ليس لونها، بل صدى كلّ الألوان التي مرّت بها ورحلت، تمامًا كما هي ليست زهرة، بل أثرٌ لشيءٍ لم يُفهم بعد.
يُقال أنّها رمزٌ للنقاء، لكنّها تحمل على بياضها أثر كلّ يد امتدت نحوها. يُقال أيضًا بأنّها رمزٌ لإحلال السلام، ولا يسمعون في صمتها طنين الحروب التي لم تُحسم بعد. في عمقها نصلٌ مغروس بين حربين، لا تميل إلى أيهما، ولا تنجو من كليهما.ومع ذلك، تختار الصمت.
لطالما كانت شاهدةً على ما لا يُرى. مثلما وقفت في قصة الجميلة والوحش تشهد اكتمال الحب، شهدت أيضًا فقدانه حين بكت أفروديت على أدونيس، فتحوّلت دموعها المتحجّرة إلى ورودٍ بيضاء تحت قدميها... تمامًا كالأحلام التي تتفتّح في الخفاء، ثم تذبل قبل أن يراها أحد.
لم تكن الوردة وعدًا، بل وداعًا، تمامًا كما أن الصمت لم يكن يومًا هدوءًا، بل صراعًا مكتومًا.
كيف تبقى ناصعةً رغم العواصف؟ كيف تظلّ ناعمةً رغم الجثث المدفونة تحتها؟ لا أحد يسأل... لا أحد يشكّك في بياضها. قالوا إنها رمزٌ للحب، تتوّج موائد العاشقين، لكنها تُلقى أيضًا على النعوش بأيدٍ مرتجفة. بياضها لم يكن نقاءً، بل صمتٌ يتردد بين عهودٍ تُقطع للحياة ووداعاتٍ تُكتب للموت. الوردة البيضاء لم تكن بريئة، بل كانت تحمل في صمتها كلّ قصص الحب والموت.

لطالما ظننتُ أن الوردة البيضاء مجرّد زهرة، حتى رأيتها بعيني. كانت تقف هناك، لا تذبل رغم مرور الأيام، وكأن الزمن انسحب منها لِيذبل داخلي أنا. لم تكن مجرد وردة... كانت شيئًا آخر، شيئًا لا ينتمي للحياة ولا للموت، شيئًا ينتظر من يراه كما هو حقًا. وكأن في ثباتها إشارة خفية إلى ذلك السؤال المُعلّق…هل الأشياء لا تتغير حقًا، أم أننا نحن الذين نتلاشى أمامها؟
ربما لهذا أحبّ الورود البيضاء... لأنها تحمل صراخ الألوان كلّها، لكنها تختار الصمت. لأنها ليست كما تبدو، أو ربما لأنها تشبهني في تناقضاتها... أو لعلني أرى فيها جزءًا من الحقيقة التي لم أجدها بعد.
هي البرهان الصامت على أن الحقيقة ليست سوى انعكاسٍ مخادع، وأن ما تراه العين ليس إلا قناعًا زائفًا ينسجه الضوء لمن يعجزون عن الرؤية في العتمة.
إن وجدت في هذا النص شيئًا يشبهك،أو يثير فضولك،أو يهزّك فربما تنتمي لهذا المكان أكثر مما تظن…اشترك لتصلك رسائل لا تُشبه البريد المعتاد.




👌👌👌😍😍😍