داخل صندوق دفـاتـرِي القـديـمَة
نُـصوص تحتفـظ بِـرائحة البدايـات الأولـى،كـانت مُخبّـأة داخل صندوق محكم الاغلاق، واليـوم تـخرج إلى النـور

في هذه النشرة، حاولت أن أجمع بعض النصوص التي كتبتها خلال السنوات الماضية، والتي بقيت مبعثرة ومحفوظة في أدراجي لوقت طويل، حتى كاد الغبار يغطيها.
كانت نصوصًا خاصة، احتفظت بها لنفسي، لكنها اليوم لم تعد تحمل ذات الخصوصية… ربما لأنني تغيرت، أو لأن الكتابة تكتمل بمشاركتها.
ورغم بساطتها، تظل هذه النصوص قريبة إلى قلبي، فهي من أوائل ما كتبت، وتشهد على البدايات.
أوراق سُرعان ما تفقد برِيقها

يُقال إنّ الكلمات التي نكتبها لا تخرج من داخلنا، وإنّما هي عبارة عن فتاتٍ أو قشورٍ، يتساقط كبقايا نتركها خلفنا... تُشبه إلى حدٍّ ما أوراقَ الخريف، لا بدّ لها أن تسقط تمهيدًا لقدوم عظمة الشتاء.
أما بعد...
إنه الخريف مجددًا، يرسم ملامحه الكئيبة على سماء هذه المدينة، وأُشاهده أنا عبر نافذتي، كيف يفقدها بهجتها.
إنه من الغريب حقًّا، كيف أنّه لم يعُد يُذكّرني بكَ مثل السابق، عندما اعتدت أن أُردّد كلمات فيروز، وكأنّها عيدٌ في فمي، أستحضر فيها ذكرى رحيلك، وما تبقّى لي منك في ذاكرتي:
"بتذكّرك كلّ ما تيجي لتغيم
وجهك بيذكّر في الخريف
بترجع لي كلّما الدنيَا بدها تعتِم
مثل الهوا اللي مبلِّش عالخَفيف
القصّة مش طقس يا حبيبي
هاي قصّة ماضي كان عنيف..."
ولكنها أضافت أيضًا:
"بس هلّا ما بتذكّر شكل وجهك..."
وأنا مثلها الآن... أصبحتُ أراقب فقط كيف تحمِلك الرّياح الموسميّة بعيدًا، مع بقايا الأوراق التي تفقد بريقها فور اقتراب الشتاء.
وفي قصّتي معك، كنتَ أنتَ الخريف، وأنا الشتاء.
ولأسبابٍ أحدثتها ربما التغيراتُ المناخيّةُ المفاجئة، تعاكسنا بعضُ الأدوار، فحملتُ أنا تمرُّدَ فصلِ الخريف، واحتفظتَ أنتَ بقساوة الشتاء.
كنتُ قد اعتدتُ تدريجيًّا على فكرة كرهي لهذا الفصل المأساوي من حياتي.
لم أتوقّع أنّني، وفي يومٍ من الأيام، قد أُصاب بلعنته بهذا الشكل، فأقع في حبِّ رجلٍ يُشبهه تمامًا، وفي أدقِّ تفاصيله...
وطوال علاقتنا، تساءلت: هل كنتُ في حاجة، من البداية، إلى رجلٍ يُشبهه، ليحوّل كآبتي الموسمية إلى عيد؟!
أم أنّه الخريف، من أتى إليّ متنكِّرًا هذه المرّة، على هيئةِ رجل، محاولًا الأخذ بثأره منّي ليس إلا؟
لا مفرّ...
أحببتُ رجلَ الخريف...
رجلٌ يحمل طقسهُ المتقلِّب كمظلّةٍ فوق رأسه، في يومٍ يبدو مشمسًا صباحًا، غير أنّه سرعان ما يُغيّر رأيه، ليتحوّل إلى عاصفةٍ تضرب بشكلٍ غير متوقّع في مساء اليوم نفسه...
رجلُ الوعود الواهية، و المواعيد المؤجلة ...
رجلٌ يُخفي أسراره خلف هالة الغموض التي تُغلّف نظراته المثقلة بالكتمان...
رجلٌ ترتسم آلامه واضطراباته النفسية على ملامح وجهه، لتجعل منها قطعةً فنيّة نادرة، تستحقُّ التحديق بها لساعاتٍ طويلة، على أمل أن تقدر على استيعابها...
لكنّك تُدرك منذ الوهلة الأولى أنّها شيفرة لِـدافينشي...
وحده الفضول، ما يُجبِرك على المواصلة...
فوضـى عـارِمـة

تسألهُ بِبراءة أُنثى وَاهِمة فِي الحُبّ :
مَالـذِي بَيننا؟
ويُجِيبهَا بِمكر ذِئب حَريص على إِنتقاء كَلِماتِه ،
مُتمرِّس فِي اختيار طرِيدته: إنّها فوضى ....
كَان يُؤمِن أنّ الشخص الوحيد الذِي يستحِق الإِعجَاب الحقيقِي هُو الشخص القادِر على خلق فوضى مِن المَشاعر بِداخلنَا..
أو على الأقلّ أراد أن يُوهمها بِذلك...
رُبّما بِهذا يَتفادى أسئِلة أكبر ....
اعتاد إخبارها أنّهما لو التقيَا فِي ظُروف أفضل ،
فِي وقت آخر ،وفِي زمن مُغاير..
لَكانت اختيارهُ حتماً.....
هل كانت بِحاجة لِخلق عوالِم مُوازية مِن أَجله؟
لَو كان الأمر مُمكناً حتماً كانت ستفعل .
إلّا أنّه يعلم جيداً أنّ تِلك العوالِم غير موجُودة،،
و لَيست هِي اختيارهُ الأوّل...
لِهذا السبب ،تطغَى تِلك الثقة و الأريَحيّة المُبالَغ فِيها على حدِيثه فتجعلُه يبدو و كأنّه يعدها بمُعجزة.
لَـوحة سوداويّـة

أيّام مُكرّرة أتنفّسها بصعوبة داخل هذهِ المدينة...
إنّها تقتل شغفي بِالحرية و الإبداع، و احتمالية مُواصلة جدالي الوجودي بعيدا عن متاهة العدمية...
لايمكنني مواجهتها سوى بحاجتي الملحة لأن أرقص وسط فنية الفوضى النيتشوية التي تكاد تُلامس النجم الراقص بِداخلي، ليس لِشيء آخر سوى أن أبقى على قيد الإستمرار...
أُحاول ومع ذلك تنتابني حالة من الإستسلام المُبركة،لا أستطيع فيها التعرُّف على هويتي..
لا شيء أكيد حول أيّ شيء...
وكأنّ هُنالك فجوة يستحيل سدها، موجودة بين أفكارِي والواقع المرير...
أُشاهدها تبتلعني ببطئ كسديم أسود ،و أصير فيها عدمية إلى حدّ يتجاوزُ أيَّ حدٍّ أقصى..
مـدينة بِلا اسـم

الضوء باهِت فِي هذهِ المَدينة....،،
وُجوهها مُكفهرة،مُشوّهة و أحيانا بِدُون تعابِير.....
بِها شوارِع كبيرة تكَادُ تخلُو مِن وُجود البشَر...،،
أزِقّتُها ضيِّقة و تُؤدِي جميعُها إلَى نفس الطرِيق الرئِيسي الذِي تقِف فِيه أنت فِي المُنتصف تماماً و كأنّها تُشير إليك بإتِّهام ما،
مبانِيها عتيقَة نِصفُها مُنهار و النِصف الآخر يُكافِح مِن أجل الصُمود يوماً آخر....،،
يُخيّم عليهَا طقس مُتقلِّب...،،
تارَة هادِئة كاليَاسمين، وتارَة أخرى ثائِرة كالبُركَان.....
مدِينة تعيش خارِج الزمن ،، يتوقَّف فِيها الوقت لِتُسائل حول أفكارِك و مُعتقداتِك.....
بِها غُموض غير طبيعِي ،فلَا أحد يَحفظ تارِيخها و ماهِي مبنيّة علَيه.....
فِي سمائِها غيمة سودَاء تُرافقك لَحظة دخُولك إليهَا،تَحجُب عنك أي ضوء يُمكن أن يَخترِقك..،،
إنَّها بلَا حياة ولَا يُمكن لِرُوح الإنسَان أن تَنبض فِيها.....
أُحاوِل الخُروج مِنها لكنَّها كالمتاهة تُعيدني إلَى نفس النُقطة التي انطلَقت منهَا في كلّ مرّة......،،
يُخيّل إلي أنّني أُوشك على إِيجاد مخرج لَها ولَا أَجد أبداً.....،،
هكذا هِي تسحبُني إلى دَاخلها وتُبقيني حَبيسة الظَلام،،
ولَا أعلم بعد إن كانَت هِي من تُشبهني أم أنّني أنا التِي أُشبههَا فِي تفاصِيلها..!!
مدِينة بِلا إسم أحملُها فِي دَاخلي لَكنّها تَحفظ إسمِي جيّدا.
رقصة إنتِصار الموت

جلسنا إلى طاوِلة العشاء الأخير، يحدّق أحدُنا إلى الآخر، وكأننا لوحةٌ لدا فينشي.
يُشغِّلُون الموسيقى… تنهض من مكانك فجأة، تتقدّم نحوي بخطوة نحو الأمام، تضع معصمك الأيسر خلفك، وتَمدّ لي يدك الأخرى دعوةًلرقصة… وأتبعك أنا إلى المراسم الأخيرة، نحو حلبة الرقص.
تحت أضواء شموع المطعم التي تملأ المكان، تنهمر سمفونية المطر خارجًا، لتمتزج مع لحن ذكريات الماضي في لوحة أوركسترالية نادرة،تعكس المشاعر المتضاربة بين الرغبة الشديدة في التشبّث، وحتميّة الرحيل.
لحظة كثيرًا ما تُشبه مأساة هاملت العظيمة… فقد قُتل كلانا بغدرٍ مباغت.
تحين اللحظة لنرقص بخطوات عشوائية، معاكسة للإيقاع، احتواءً لفوضى خُلقت لنحتويها في هذا اليوم.
نعود لنجلس إلى الطاولة مجددًا، لكن هذه المرة كلٌّ منّا على حدة؛ فمثلما وُلدت حكايتنا بين طاولتين، ندفنها بالطريقة ذاتها.
نرفع كأسًا نخبًا لانتصار الموت، مردّدين شعر بودلير:
"أيها الموت، القبطان الهرِم… حان الوقت، ارفعوا المرساة."
عاشقٌ أم طاغية؟

كان يتباهى أمامي بقيصر روما، وكيف أنه أحرقها فقط لكي لا يأخذها أحد منه.ووصل به الأمر أحيانًا إلى حدّ تشبيه نفسه بنيرون.
أحمقٌ ظنّ أن نيرون أحرق روما لأنه أحبّها، فلا يستطيع أحد أن يأتي من بعده ويأخذها منه بعد أن تركها أرضًا محروقة.في حين أنني لم أرَ سوى كائنٍ نرجسيّ يحاول إشباع جنون العظمة داخله، فلم يجد سوى ذلك الفعل الشنيع ليُقدِم عليه.
وهكذا خلّد التاريخ هذا الطاغية على أنه عاشق، وصل به عشقُه لروما حدّ الجنون.
عادةً ما تُغلَّف الأفعال الشنيعة لهؤلاء بملحمات العشق الزائفة، كنوعٍ من التمويه على خلفيّاتهم السوداء.
لأن العشق يحمل تبريراتٍ جاهزة يتعاطف معها الناس أكثر من وجه الحقيقة المُخيف.
فمثلما برّروا تمامًا قتل عُطيل لدِيدمونة، وألقوا اللوم على ياغو وحده،برّروا ما أقدم عليه القيصر بهذه البساطة.
لم يتجرّأ أحدٌ أن يرفع صوته قائلًا: "إنّ روما بريئة من نيرون."
لم أستغرب من تشبيهه لنفسه بنيرون، فقد كنت أرى فيه شخصًا يتغذّى على آلامه وأوجاعه.لا يعرف طريقةً أخرى لينهض بها أقوى... لكنّ روحه لا تشفى بأيّة وسيلة،
لاستمراره الدائم في جلدها.
وفي حين يكون الجلّاد وحده من يملك السوط بيده،
أتساءل: هل روحه تعاني من الخذلان حقًّا، أم منه هو بذاته؟



لقد قرأت بعضهم ... و حسنا قد اعجبني اسلوبك .
احسنتِ