كنا اثنين، ثم نسيت العد… أن تذوب في الآخر حدّ التلاشي
متى يتوقف وجهك في المرآة عن تمثيلك، ويبدأ في تمثيل ما يتوقعه الآخر؟ وهل يمكن لامرأة أن تختار الحب دون أن تخسرصوتها؟ أم أن كل حب تقليدي يشبه بداية التنازل؟
"لقد نُظر إليّ، لكن لم يرني أحد."
— ألبير كامو، سوء تفاهم
هذا النص عن الجانب المظلم من الحب التقليدي، حيث تبدأ النساء في التلاشي والانصهار داخل أدوار وقوالب لا تشبههن. عن ذلك الاحتراق الصامت الذي تعيشه نساء كثيرات... دون أن يراهن أحد.
كانت ليلة صيف خانقة ، الهواء بالكاد يتسلل من نافذة نصف مفتوحة،كأن الغرفة تشارك معي ضيق صدري…
كانت تشبه تلك الليالي التي لايحدث فيها شيء واضح،لكن كل شيء في الداخل يضجّ...المشاعر تتراكم في الزوايا، بلا اسم، بلا ترتيب،كما لو أن الداخل يفيض، ولايدري أين يسكب نفسه.…
جلست أمام الشاشة،لا أبحث عن فيلم، بل عن أثر،عن شعور يشبهني، يصفني دون أن يعرفني.شيء كنت أخشاه بقدر ما كنت أتوق إليه.
فوجدت نفسي أشاهد فيلمين متتاليين.
ظهرت "أبريل" أولاً، تتلاشى في دور الزوجة.
تصرخ في وجه رجل لا يسمعها، رغم أنه يقف على بُعد متر،
لم يكن الصراخ إلا جزءًا من الديكور... مجرد صوت في خلفية لا أحد يصغي لها.
هي لم تعد تعرف من تكون،وهو لم يعد يريد أن يعرف.
كل ما تبقّى لها هو صوت دموعها الداخلية.
امرأة كانت تحلم بصوت عالٍ، ثم انكمش صوتها وهي تهمس:
"كنت فقط أريد أن أشعر... أن أشعر حقًا."
لكنها كانت قد فقدت الإحساس منذ زمن، تمامًا كما فقدت نفسها.
ثم جاءت "نيكول"، امرأة أخرى، ضاعت ملامحها وفقدت دورها في قصتها الخاصة.
تجلس أمام "تشارلي" في مكتب المحاماة، تحاول أن تبدو ثابتة، لكنها كانت تنكسر بهدوء لا يُسمع.
تنظر إليه طويلاً، نظرة من اكتشف الحقيقة متأخرًا، ثم تقول:
"لم أعِش لنفسي أبدًا... كنت فقط أُغذّي حياته."
امرأة ظنّت أن الحب يعني أن تتلاشى، حتى لم يبقَ منها شيء يمكن أن يُحب.
شعرتُ أن الكلمات لا تُقال على الشاشة،و أن الجمل لم تكن مجرد حوارات ،بل كانت تُقال داخلي، بصوتٍ يشبهني.
شعرتُ كأنني أُشاهد نسختين مني، في زمنين متوازيين.
امرأتان ذكيّتان، قويتان، حلمتا بأكثر من مجرد زواج... وانتهى بهما الأمر في زوايا باردة، يتساءلن بصمت: كيف انتهى بِنا الأمر على هذه الحال؟!…
حين أطفأت الشاشة، ظلت تلك المشاهد عالقةً في ذهني.
لم تكن مجرد مشاهد …
كنت أرى ذلك في معظم النساء من حولي، كيف ينظرن إلى صورهن القديمة وكأنهن يحدقن في مرآة مشوهة، لا يتعرفن على أنفسهن، ثم يتساءلن بصمت: "هل هذه أنا؟"
كيف تحولت بشرتهن المشرقة ذات يوم إلى جلد باهت، سُحبت منه الحياة ببطء، بلا أنين، بلا صرخات، تمامًا كما تختفي الذكريات من العقلالمرهق، و تأخذ معها كل أثر للمعنى الذي كان.
كان الزمن يمر عليهن بصمت، كما لو كان يمر عبر أجسادهن، يترك وراءه أثارًا من الخواء، وكأنهن فقدن ما كنّ يعرفن عنه.يعجزن عن تذكر متى كانت آخر مرة شعرن فيها بالحياة.
لقد رأيت هذا السيناريو يتكرر حولي كثيرًا،لقد رأيت "أبريل" في جاراتي، في زميلاتٍ كنّ نجماتٍ ثم انطفأن بهدوء.رأيت "نيكول" في صديقات و قريبات لم يعلمن متى بدأن بالاختفاء.
رأيتهن يذبن تدريجيًا في روتين بيتٍ لا يشبههن...،
نساء قويات ذكيّات، ملهمات، تحولن إلى خادمات عاطفيات…و أصبحن هوامش في حياة شخص آخر، يعتنين بأحلامه، ويُهملن أحلامهن.
يبتسمن لأن السياق يفرض ذلك، ويقلن "أنا بخير" لأن لا أحد مستعد ليسمع الحقيقة.
رأيتهن يتحولن إلى ظلّ امرأة كانت،بسبب العقد غير المكتوب الذي يقول:إن تزوجتِ أو أحببتِ، يجب أن تتخلي،أن تنسي،أن تذوبي.
و أنا ؟
خائفة... ليس لأنني لا أؤمن بالحب أو الزواج..بل أخاف أن أكون النسخة القادمة من تلك التراجيديا.
خائفة من الحب الذي يُطلب فيه التنازل عن الذات، لا التقاءها….أخاف أن يُشعلني، ثم لا يترك لي شيئًا سوى رمادي.
خائفة من بيت جميل من الخارج، لكنه قبر للهوية من الداخل.
ثمة شيء مرعب في فكرة الارتباط...
أن أستيقظ يومًا فلا أعرف من تلك التي تنام بجانبه.
أن أفتح فمي، فلا أسمع صوتي، بل صدى امرأة أرادها أن تكون زوجته.
أتخيل نفسي أجلس كل مساء على طاولة العشاء، نكرر ذات الكلمات، ذات الإيماءات، نغسل الأطباق كأننا نغسل حياتنا من المعنى.
أخاف أن أتحول إلى ظل...
ظل امرأة كانت تعرف نفسها جيدًا، ثم ذابت في الآخر، كما تذوب قطعة سكر في فنجان الشاي، لا أثر، لا هوية، لا طعم.
أخاف أن أتحول إلى زوجة.
ثم إلى ظل.
ثم إلى صمتٍ جميلٍ ومكسور.
تسألني وجوه مختلفة لكن بنفس الملامح، بنفس النبرة التي تخبّئ اتهامًا خلف الفضول:"لكن ألا ترغبين في بيتٍ دافئ؟ أطفال؟ حياة مستقرة؟"
أبتسم. لا لأنني أملك جوابًا يقنعهم، بل لأنني تعبت من الشرح...أرددها كما يردد المصلّون آيةً لا يفقهونها، فقط لأنهم اعتادوا على وقعها:"أرغب... لكن دون أن أُقتل في الطريق."
لا أنتظر أن يفهم أحد.
لستُ حمقاء كي أظن أن من يسأل سؤالًا محفوظًا، يبحث فعلًا عن إجابة حقيقية.
هم لا يريدون أن يسمعوا خوفي…
يريدون فقط أن أقول ما يُريحهم. أن أتنازل بصوتٍ ناعم، وأُختصر في دورٍ مطمئن.
لا أريد رجلًا يرى فيّ مشروع حياة جاهزًا…
أريد من يقترب وهو يعرف أنني حقل ألغام من الأسئلة،أنني كتاب بلا فهرس، لا يُقرأ من الصفحة الأولى.
أريده أن يحبني حين أكون ساكنة، وحين أفيض.
حين أكتب في منتصف الليل، لا حين أُحضّر فطورًا بابتسامة مدروسة.
أريده أن يرى و يُصغي لفوضاي،دون أن يخاف منها أو أن يحاول ترويضها.
أن لا يخاف من الأسئلة التي لا أملك لها إجابة،أن لا يُحاول إصلاحي كأنني عيبٌ يجب ستره.
أريده أن يعانق فيّ المرأة التي تقاتل يوميًا كي لا تذوب،أن يرى مقاومتي للانصهار بطولة، لا عيبًا.
لأنني لا أريد أن أُختصر في لقب،ولا أن أنكمش داخل صيغة الجمع: "نحن"،حتى أفقد صوت المفرد: "أنا".
أريد رجلًا يعترف أن الحب و الزواج ليسا قيدًا ناعمًا،بل حريّة تُمارَس بشغف.لا أريده بيتًا فقط،بل نارًا تقيني من برد الانطفاء.
لا أريده سقفًا…بل سماءً.
لا أريد أن أتحول إلى دورٍ متقن في مسرحية متوقعة.أن أضحك في توقيت الضحك، وأطبخ في توقيت الحب، وأُنجب في توقيت الفخر.
أريد فوضاي…..
أن أعيشها، وأفهمها، وأكتب عنها….لا أن أدفنها تحت اسم عائلة.
أتذكر أنني قرأت مرة عن حالة يسمونها في علم النفس بـ"انصهار الذات" أو "إلغاء الذات العاطفي"، تلك اللحظة التي لا تعودين فيها تميزين بين ما تريدينه حقًا، وما تتوقعه منك العلاقة. حين يتم تشكيلك تدريجيًا لتناسبي قالبًا لم تصنعيه. حين تتحولين إلى شخص يعتني بكل شيء، إلا نفسه. تبدأ القصة بـ "نحن" و "أنا أحبك"، وتنتهي بِـ"لم أعد أعرف من أنا"….شيء يشبه الذوبان البطيء داخل الآخر…،تذوبين دون أن تلحظي، حتى يصبح صوته صوتك، ورغباته رغباتك،تتسللين من ذاتك كمن ينسى طريق العودة،فتستيقظين ذات صباح،وتحدقين في المرآة،ولا ترين أحدًا.
تضحكين لأن اللحظة تتطلب ذلك، لا لأنكِ مرحة.
توافقين لأن الحب يُفترض أن يكون مرنًا، لا لأنك مقتنعة.
تبدئين بالتلاشي، لا لأن أحدًا طلب منكِ، بل لأنكِ تعودتِ أن تتكيفي و تصمتي حتى لا تفسدي الصورة.
لكنني أرفض…
أرفض أن أكون "أبريل" التي تموت من الداخل بينما الجميع يراها زوجة مثالية.وأرفض أن أكون "نيكول" التي تحتاج لمحامٍ لتشرح من تكون.أرفض أن أُصنَّف كمشروع استقرار أو حقل إنجاب.
أنا لست ديكورًا لبيت جميل،ولا وظيفة جديدة في سيرة أحدهم العاطفية.أنا امرأة مشبعة بالأسئلة،تسكنني عوالم لا تُرى،فوضى لا تُروّض،وصمتٌ ثقيل لا يُترجم بسهولة….أريد من يرى كل هذا،ويحبني لا رغمًا عنّي،بل لأنني هكذا.
أرفض أن أُختصر في دورٍ اجتماعي.
أريد من لا يحاول أن يعيد ترتيب فوضاي، من يرى جمالي من خلالها ،من يرى أنها تستحق التأمل لا الإصلاح.
أريد من يؤمن أن الحب ليس ذوبانًا، بل رقصٌ حرّ بين ذاتين كاملتين،تتقاطعان، دون أن تُلغيا بعضهما.
وحتى يأتي من يفهم هذا،سأبقى هنا، في وحدتي التي تشبهني،أقرأ، أكتب، أتأمل النهايات التي لا تحتاج زفافًا لتكتمل،بل تحتاج فقط صمتًا صادقًا يُقال في وجه العالم:"أنا ما زلت هنا، كما أنا".
في تلك الليلة، بعد أن انطفأت الشاشة، شعرت أنني أقف أمام مخاوفي لأول مرة.احتفظت بها بداخلي طوال هذه السنوات، لكني تعمدت تجاهلها… لأنني كنت خائفة أن أطرح تلك الأسئلة وأواجه حقيقة غير مريحة.
وضعت رأسي على الوسادة.
زارتني "هي".
نسخة تشبهني...
ولكنها كانت أكثر ضياعًا،
أكثر فراغًا...
تضع خاتمًا في يدها اليسرى،
تحمل في عينيها نظرة غريبة، مطفأة، غارقة في الفراغ، رغم ابتسامة باردة، زائفة.
جلست أمامي…أنا التي اختارت الزواج.
سألتها:
"هل أنتِ سعيدة؟"
أجابت بصوتٍ خالٍ من الحياة، صوت مستهلك، مكرر:
"أشعر بالأمان."
كررتُ سؤالي:
"لكن… هل تشعرين بالحياة؟"
صمتت قليلًا.
ثم همست بصوت خفيف كأنها تهمس بألم لا تستطيع أن ترفضه:
"تعودتُ."
رأيتُ في صوتها… شيء مكسور، ارتعاش امرأة لم تعد تجرؤ على أن تحلم بصوت عالٍ.
قلتُ لها:
"أنا خائفة منكِ…أخاف أن أصيركِ.أن أختار الأمان على حساب الحرية،والمألوف على حساب الشغف،أن أعيش لزوجي ولأطفالي فقط، بينما أخسر قدرتي على العيش لنفسي."
نظرت إليّ بعينين فارغتين، وقالت:
"كنتُ أظن أنني أختاركِ.لكنني، في النهاية… هجرتكِ."
ثم استيقظتُ مفجوعة.
كان كابوسًا…ولكنه كان الحقيقة التي لطالما تجاهلتها والواقع الذي كنت أخشى مواجهته.
كنتُ محقة، لقد كان شعورًا غير مريحٍ بالفعل… لكنني، أيضًا، ولأول مرة، أدركت ما أريده حقًا.
لم أعد أخشى السؤال، ولم أعد أخشى الإجابة.




أريت المقال لأمي ، أمرأة قدمت العاطفه لعائلتها حتى باتت تتلاشى ، وَكررت أمام الجميع أنها تحبنا ، وليست نادمه على أختيارنا
ًقرأت بصمت ، ثم أبتسمت بأرهاق وخرج صوتها رزينا ناعماً
بدا أنها قرأت عيناي ، وعلِمت أني أرى فيها كل ما کُتب في المقال الذي أرعبني ووصف جزءً من مخاوف رفضت الأعتراف بها، وبدى وجهي وكانه يقول لها أن كوابيسي هي نهاية كنهايتك
قالت أن لكل شيء ثمن
وأن الوقت الذي قدمته لنا لنزدهر بحب وأشراق قد أمتص روحها ، وأن تحمل رجل يرى أنعكاسه البراق في مرآتها قد حطم نوافذها وأفقها
لكنها رغم ذلك ليست نادمه
وكررتها مرة أخرى ، أنها ستختارنا مجددا ومجددا
وأنها لا تتخيل حياتها بدوننا
فكيف يمكن لروح خُلقت لتكون حرة مشرقة أن تعتاد القيود والأبواب المغلقه؟ ربما الأسوء من محاربه هذه المخاوف وتجنبها ، هو العيش فيها وتقبلها ، ثم ألفتها حتى تكون جزءً منا
كأنك تصفين كل ما بداخل النساء التي يردن الحب و الارتباط لكنهن خائفات من التخلي عن هويتم مرة أخرى 💐 مقال رائع هنيئا لكي