حِين نظرت إلى المرآة…رأيت ظلًا يحدِّقُ بي
عن الوجه الذي تجاهلته طويلاً
كل ليلة، كنتُ أطلبها….نفس القصة، بنفس الكلمات، بنفس النغمة التي لم تتغير. كانت أمي تتنهّد قبل أن تبدأ، تسألني إن كنتُ لا أملّ،وكنتُ أجيبها دائمًا: "لا".
لكنها لم تسألني يومًا لماذا، ولم أخبرها أنا بدوري عن السبب.
كانت تحكيها لي بصوت دافئ، بنفس الإيقاع الرتيب، بملامح لم تتبدل. لم يكن في ملامحها تفاعل مع القصة، لا دهشة، لا ترقب، فقط سكون يشبه سكون الراوي الذي حفظ حكايته حدّ التلاشي في تفاصيلها. كنتُ أسمعها، وأعيدها في رأسي، كنتُ أنتظر لحظة تمرد لم تأتِ أبدًا …أن يتوقف الوحش عن التحوّل، أن ترفض الجميلة العودة، أن تنكسر الوردة أخيرًا قبل سقوط آخر بتلة. لكن النهاية كانت تأتي دائمًا كما خُطّت، كما رُويت آلاف المرات من قبل، وكأنها قدر لا يقبل الاعتراض.
في الظلام، كنتُ أغمض عينيّ وأتساءل: ماذا لو أن الوحش لم يكن ينتظر الخلاص؟
ماذا لو لم يكن بحاجة إلى قبلة، بل إلى من يفهمه كما هو، دون أن يحاول تغييره؟
كنتُ أخشى أن أطرح هذا السؤال بصوت عالٍ. كنتُ أعرف أن أمي لا تحب أن أقاطعها بهذا النوع من التساؤلات، لأنها تفضّل أن تسردالقصة بنفس الترتيب، بنفس النغمة، دون أن تضيف أو تحذف شيئًا….وكأن كسر القصة كان كسرًا لقانون غير مكتوب.
وفي ليلة، قبل أن تبدأ الحكاية، استجمعتُ شجاعتي أخيرًا وسألتها:
"ماذا لو لم يكن الوحش يريد أن يتحوّل؟"
رفعت عينيها إليّ للحظة قصيرة، لكنها كانت مشحونة بشيء لم أفهمه تمامًا، شعور لم أتمكن من التقاطه بالكامل…ربما دهشة، ربما توجس، أو شيء أكثر عمقًا، شيء يشبه الإدراك المتأخر لحقيقة غير مريحة. كأنني نطقت بكلمة كان يجب أن تبقى غير منطوقة، كأنني طرقت بابًا لا ينبغي فتحه…لكنها لم تجب… لم تسألني لماذا قلت ذلك، ولم تحاول أن تصححني. فقط حولت نظرها عني ببطء، كأنها تتجاهل وجود السؤال نفسه، ثم استأنفت الحكاية بنفس النبرة، بنفس الإيقاع، وكأن السؤال لم يُطرح، وكأن المسار لا يمكن تغييره.
بعد تلك الليلة، توقفتُ عن الطلب. لم تعد أمي تسألني إن كنتُ أريد سماعها، ولم أعد أبحث عن مسار آخر للقصة. لكنني الآن، وأنا أنظرإلى انعكاسي في المرآة، أدرك أنني لم أكن أبحث عن نهاية مختلفة... كنتُ أبحث عن نفسي بين السطور، عن ملامحي في وجه الوحش،وعن ظلّي في نظرات بيل وهي تتردد للحظة، قبل أن تحبه.
في طفولتي، كنتُ أهرب من الظلام، أطلب نور الحكايات ليبدّد العتمة، لأملأ الفراغ بصوت أمي، بنفس القصة التي كنتُ أتشبث بها كأنها تعويذة ضد المجهول. لكنني لم أدرك يومها أنني كنتُ أهرب من شيء يسكنني، من ظلٍّ كان يراقبني بصبر، ينتظر أن أتوقف عن الركض.
الآن، لم أعد أبحث عن الضوء. لم أعد أطلب من القصص أن تنقذني.
أفتح عيني في العتمة، وأراه. أمدّ يدي وألمسه...
إنه ليس وحشًا، ليس فخًا، ليس خوفًا كما كنتُ أظن.
إنه أنا.
الوجه الذي لم أتجرأ على النظر إليه طيلة تلك السنوات، الصوت الذي كنتُ أخشى أن أسمعه وسط الصمت.
الظلام ليس غريبًا بعد الآن. إنه جلدٌ أرتديه، ظلٌّ يسير بجانبي، سرٌّ لم أعد أخاف أن أحتضنه. لقد كنتُ أهرب طوال حياتي من شيء لم يكن يطاردني، بل كان ينتظرني، بصبر، بحبٍّ هادئ...كما ينتظر الليل من يفهمه دون أن يشعل شمعة.




حقًا انت شيئ نادر وجريئ،في زمن تشابه فيه كل شيئ،و اصبح المؤلوف فرضًا لا اختيار
شنو اسم هل نوع من الكتابة؟ سرد؟ مقالة؟ ام مجرد كلام ورد بذهن بالكاتب فقرر تدوينه ونشره فيما بعد؟