هناك زهرة غريبة تُدعى زنبق العنكبوت الأحمر،لكن اسمًا واحدًا لم يكن كافيًا لها. يسمونها هيغانبانا لأنها تتفتح في اليابان خلال موسم زيارة القبور واستذكار الراحلين، وكأنها تظهر كل عام لتذكّر الناس بما فقدوه.و يسمونها زهرة الوداع لأن اللقاء ليس قدرها، وزهرة الموت لأن بعض النهايات تشبه الموت دون أن يموت أحد، وزهرة الجحيم لأن أجمل الأشياء أحيانًا تكون الأكثر إيلامًا.
هذه الزهرة جميلة… لكن جمالها لا يمنحك الطمأنينة.هناك شيء مقلق فيها،كأنها خُلقت بطريقة تكاد تبدو مقصودة لتكون استعارة لشيء مفقود. تتفتّح فجأة في أواخر الصيف، رافعةً بتلاتها القرمزية الحادة نحو السماء، وحيدةً تمامًا، بلا أوراق ترافقها أو تحتضنها. وبعد أن تذبل الأزهار وتختفي، تبدأ الأوراق بالظهور وكأنها جاءت متأخرة عن موعدها.لا تلتقي الأزهار والأوراق أبدًا….كل منهما يأتي عندما يكون الآخر قد رحل. وكأن القدر كتب لهما أن ينتميا إلى النبتة نفسها، لكن ليس إلى اللحظة نفسها.
هناك شيء فيها يوحي بأنها لم تُخلق لتكون زهرةً عادية، بل أثرٌ باقٍ من أسطورةٍ اندثرت. تبدو وكأنها تنتمي إلى تلك الأشياء التي لا نراها إلا في الأساطير؛ الأشياء الجميلة إلى درجة تثير الريبة. كأن الآلهة في حكاية منسية حوّلت مأساةً ما أو لعنة قديمة إلى بتلاتٍ قرمزية، ثم تركتها تنمو بين البشر. ولهذا تبدو وكأن مكانها الطبيعي ليس بين الأزهار، بل بين صفحات الحكايات والأساطير.
ما يجعلها مميزة ليس ندرتها، بل طبيعتها التي تبدو وكأنها كُتبت خصيصًا لتكون استعارة عن الأشياء غير المكتملة.كلما قرأت عنها شعرت أنها لا تشبه زهرة بقدر ما تشبه اعترافًا….اعترافًا بأن الحياة لا تظلمنا دائمًا بحرماننا مما نريد.أحيانًا تظلمنا بطريقة أكثر أناقة.تعطينا الشيء نفسه…ثم تضع بيننا وبينه مسافة لا يمكن عبورها.
تتفتح فجأة ثم تذبل بسرعة ،ولهذا ارتبطت هذه الزهرة في الثقافة اليابانية بالوداع، التوتر بين الرغبة والحدود ،اللقاءات المستحيلة، والطرق التي تتقاطع للحظة قصيرة ثم تفترق إلى الأبد.
لطالما أحببت زنبق العنكبوت الأحمر.لكنني لم أفهم سرّ افتتاني بها إلا مؤخرا…ربما لأن بعض القصص تشبه هذه الزهرة، لا ينقصها الحب، بل ينقصها أن يلتقي التوقيتان في الوقت نفسه.و لأنها لم تذكرني بالموت، بل ذكرتني بالأشياء التي كان يمكن أن تكون، لكنها لم تكن. و الأشياء التي كان يمكن أن تكتمل… لكنها لم تفعل.
فلا شيء أشدُّ وجعًا من أن نُقابل الأشخاص الذين يحملون كل ما نبحث عنه، ثم يظهرون في اللحظة الوحيدة التي لا نستطيع فيها الاحتفاظ بهم. الاعترافات التي تأتي متأخرة و الطرقات التي نعثر عليها بعد أن نكون قد سلكنا طريقًا آخر و الأقدار التي تعرف وجهتها جيدًا…لكنّها تظل التوقيت.
ولهذا تبدو بعض النهايات مؤلمة إلى هذا الحد؛ لأنها لم تكن نهاية شيء مستحيل، بل نهاية شيء كان يمكن أن يكون جميلًا جدًا لو منحه القدر دقيقةً أخرى فقط.
لطالما اعتقدت أن النهايات تحدث عندما يتوقف الناس عن الحب،لكنني اكتشفت لاحقًا أن هذا ليس صحيحًا.أحيانًا…تنتهي بعض القصص بينما لا يزال الحب موجودًا.وأحيانًا… لا تكون المشكلة في المشاعر أصلًا، بل في التوقيت….أن يأتي الشعور متأخرًا جدًا أو مبكرًا جدًا.وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة…..الفقدان.
كأن الحياة لا تكتفي بحرمان الناس مما يريدون، بل تصر أحيانًا على أن تجعلهم يرونه أمامهم بوضوح كامل قبل أن تأخذه منهم.ولهذا لم تكن تلك الزهرة تذكرني بالحب…..كانت تذكرني بِـيُورِيم و كِيهَام.
لأن قصتهما لم تكن قصة نقص في المشاعر….بل قصة توقيت.قصة شخصين تقاطعت طرقهما في المكان الصحيح، لكن في الزمن الخطأ.قصة شعور ازدهر في اللحظة نفسها التي أدرك فيها صاحبه أنه لا يستطيع الاحتفاظ به.
كانا مثل زنبق العنكبوت الأحمر….جميلين بما يكفي لترك أثر ،ومتأخرين بما يكفي لترك جرح. فمأساة يوريم و كيهام ليست أنهما لم يجدا بعضهما، بل أنهما التقيا بينما كانت الحياة تقول لهما: ليس الآن… وربما ليس أبدًا.
لم تبكِ يوريم يوم تزوّج كِيهام….على الأقل، هذا ما كانت تقوله لنفسها.كانت تكرر الفكرة كما يكرر الناس الأكاذيب التي تساعدهم على النوم:
لم أبكِ لأنه اختار امرأة أخرى،لم أبكِ لأن قصتنا انتهت قبل أن تبدأ،ولم أبكِ لأن الحياة وضعت بيننا حدودًا لا يمكن تجاوزها.لكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير….كيهام لم يكن أول شخص لا يختارها،كان مجرد آخرهم.
قبل أن تعرف يوريم كيهام بسنوات طويلة، كانت هناك طفلة صغيرة تتلقى من العالم دروسه الأولى عن الحب…طفلة هادئة أكثر مما يجب اسمها يوريم….كانت تجلس وحدها كثيرًا، تراقب الناس أكثر مما تتحدث إليهم، وتسأل أسئلة لا يحب الكبار سماعها.لم تكن طفلة سيئة،لم تكن مشاغبة.لكنها لم تكن مطيعة بالكامل أيضًا.كان لديها ذلك النوع من العقول التي لا تتقبل الأشياء لمجرد أن الجميع يتقبلونها….ولهذا كانت تصطدم بالعالم كثيرًا.
كانت أمها، مثل كثير من الأمهات في مجتمعاتنا، تؤمن أن القسوة جزء من التربية…كانت تريد أن تجعل ابنتها قوية.لكن الكلمات أحيانًا تترك جروحًا أعمق من النوايا.
في طفولتها كانت تسمع أمها تردد الجملة نفسها في لحظات الغضب :“الجميع يكرهكِ… وليس في هذا العالم من يُحبّكِ”.كانت مجرد طفلة…ولأن الأطفال يصدقون أمهاتهم أكثر مما يصدقون أنفسهم، صدّقت يوريم ذلك أيضًا.
كبرت وهي تحمل تلك الكلمات داخلها كأنها حقيقة علمية لا تقبل النقاش….كانت تسمع من الآخرين أنها جميلة،ذكية،مهذّبة،مثقفة و كاتبة موهوبة.ولأن الإنسان لا يرى نفسه دائمًا كما يراه الآخرون.بل كما تعلّم أن يراها لأول مرة….ظلّت تلك الكلمات ترتطم دائمًا بصوت أقدم يسكن داخلها: إذا كان كل هذا صحيحًا…فلماذا لا يبقى أحد؟
لهذا لم يكن كيهام مجرد رجل بالنسبة لها….كان اختبارًا أخيرًا لنظرية قديمة.النظرية التي تقول إن بعض الناس يُعجب بهم الجميع… لكن لا يختارهم أحد.
المأساة لم تكن أن كيهام تزوج….ولم تكن أنه لم يستطع اختيارها….المأساة الحقيقية أن يوريم أدركت متأخرة أن ألمها لم يكن متعلقًا به وحده.بل بكل الأشخاص الذين أحبتهم ولم يبقوا….بكل الأبواب التي أغلقت،بكل المرات التي شعرت فيها أنها ليست الخيار الأول لأحد…..فبكت.لا لأن كيهام رحل.بل لأن الطفلة الصغيرة التي كانت تسمع:“لا أحد يحبكِ”….كانت ما تزال تبكي داخلها بعد كل هذه السنوات.ولهذا لم تكن قصة يوريم و كيهام قصة حب….كانت قصة جرح قديم وجد أخيرًا اسمه.وقصة امرأة اكتشفت أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا لكي نبقى معهم…بل لكي يكشفوا لنا الجزء المكسور الذي كنا نحمله منذ البداية.وربما لهذا أيضًا تبدو بعض الأشياء وكأنها لا تكتمل إلا حين تنتهي.لأن نهايتها ليست النهاية الحقيقية….بل بداية مواجهة أنفسنا للمرة الأولى.
ثم ظهر كيهام.
ولم يكن أجمل رجل عرفته،ولم يكن أكثرهم نجاحًا، ولم يكن حتى أكثرهم شبهًا بأحلامها.لكنه كان أول رجل جعلها تشعر بالراحة…تلك الراحة النادرة التي تأتي حين تتوقف عن مراقبة كلماتك، وعن إخفاء أفكارك، وعن التظاهر بأنك شخص آخر. وربما لهذا كان الأخطر بينهم جميعًا؛ لأن الإنسان يستطيع مقاومة الإعجاب، ويستطيع مقاومة الانجذاب، لكنه نادرًا ما يستطيع مقاومة شخصٍ يمنحه شعورًا يشبه العودة إلى المنزل بعد تيهٍ طويل.
تقولُ يُـوريم :
“لا أعرف متى بدأ يتحوّل في رأسي من رجل عادي إلى فكرة ثقيلة تشبه الظل. ربما منذ تلك اللحظة التي صار فيها يشرح أشياء لم أسأله عنها أصلًا، كأن بينه وبيني اعترافًا غير معلن لا يجرؤ على قوله كاملًا. هناك شيء فيه يشبه الرجال الذين يبدون هادئين جدًا… إلى درجة تثير الشك. طريقته في النظر، صمته الطويل، وحتى جُمَله العابرة تبدو وكأنها تخفي تحتها فوضى كاملة لا يريد لأحد أن يراها. أحيانًا أشعر أنني لا أنجذب إليه كشخص، بل أنجذب إلى ذلك الشرخ الخافت داخله… ذلك التعب الذي يحاول تغطيته بالهدوء. والمضحك أنني أفهمه بطريقة مخيفة، كأن الأرواح المعطوبة تتعرف على بعضها دون مقدمات.
هو يشبه الرجال الذين يحملون الشتاء داخلهم بهدوء مخيف، وأنا أشبه أولئك النساء اللواتي يبدون هادئات بينما يخفين تحت بشرتهنّ خرابًا كاملاً من الأسئلة والرغبات والهروب. ربما لهذا أفهمه أكثر مما يجب. وربما لهذا أيضًا أخاف منه أحيانًا… لأن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتك كحب، بل كتحوّل كامل في شخصيتك.
وقصتنا تشبه قليلًا ذلك النوع من العلاقات الذي لا يبدو صحيًا تمامًا ولا بريئًا تمامًا، لكنه يملك جاذبية قاتلة تجعلك تعود إليه رغم وعيك بكل شيء. علاقة فيها افتتان، شدّ نفسي، ولعبة خفية بين الرغبة والسيطرة والهروب. كأننا شخصيتان تعرفان جيدًا أن النهاية لن تكون سعيدة بالضرورة… ومع ذلك تستمران في السير نحوها بفضولٍ يكاد يكون انتحاريًا”.
العلاقة بينهما لم تكن تشبه القصص الرومانسية العادية، بل تشبه تلك الروايات التي تبدأ ببطء ثم تتحول تدريجيًا إلى شيء نفسي ومعقد وخطير قليلًا…. ذلك النوع من القصص الذي لا يقوم على الحب وحده، بل على الفضول، والهوس الخفيف، والرغبة في فكّ الشخص الآخر حتى لو أدى ذلك إلى تدمير شيء داخلك. كأن كل حديث بينهما يحمل توترًا خافتًا لا يُقال بصوت عالٍ، لكن يمكن الشعور به دائمًا.
وفي أحيانٍ كثيرة، أشعر أن قصتهما لم تبدأ في الواقع أصلًا… بل بدأت في مكانٍ أكثر ظلمة، كإحدى الأساطير القديمة التي تنكر نفسها في هيئة أشخاص عاديين. شيء بين يُٰوريم و كِـيهام يذكرني بعلاقة برسفوني وهاديس، ليس لأن أحدهما خطف الآخر، بل لأن بعض العلاقات تبدو وكأنها تفتح بابًا داخليًا لا يعود صاحبه كما كان بعده.
هناك شيء في كِيهام يجعلني أفكر دائمًا بهاديس… ليس كإله للموت، بل كرجل يعيش وكأنه معتاد على الظلال أكثر من الضوء. رجل يبدو هادئًا من الخارج، بينما يحمل داخله عالمًا كاملًا لا يسمح لأحد برؤيته بسهولة. و هي؟ ربما كانت تشبه برسفوني أكثر مما كانت تعتقد؛ تلك الفتاة التي ظنت أنها تنتمي للربيع، ثم اكتشفت أن جزءًا منها كان دائمًا ينجذب إلى العتمة دون سبب مفهوم.
كان يشبه هاديس فعلًا….لا لأنه مظلم،بل لأنه يعرف كيف يُخفي فوضاه تحت أناقة هادئة…و لأنّه يعيش وكأنه معتاد على دفن كل شيء داخله؛ غضبه، رغبته، ضعفه، وحتى احتياجه للحب.أما يوريم…فلم تكن تشبه برسفوني البريئة كما في الأساطير، بل تلك النسخة التي نظرت إلى الجحيم طويلًا… ثم شعرت بشيء يشبه الانتماء.
لكن العلاقات المشابهة للأساطير لا تنتهي بسلام غالبًا.فهي لا تُبنى على الطمأنينة… بل على ذلك الانجذاب الخطير بين شخصين يرى كلٌّ منهما في الآخر الشيء الذي يُشبهه أو يَنقصه… والشيء القادر أيضًا على تدميره.
تصف يُوريم الفرق بينها و بين كِيهام قائلة:
أنا مندفعة… أقفز نحو الأشياء كمن يريد أن يشعر بالحياة قبل أن تهرب منه….وهو حذر أكثر من اللازم، بطريقة تُشبه الرجال الذين تعلّموا أن المشاعر مثل القنابل تحتاج إلى تعليمات تفكيك دقيقة…و إلا قد تُستخدم ضدهم يومًا ما.
أدخل الأشياء بكامل قلبي، بينما يدخلها هو بنصف خطوة ونصف روح، كأنه دائمًا مستعد للهروب إن شعر أن الأرض بدأت تميل تحته.
أنا أؤمن بالفوضى، بالقرارات التي تُتخذ من القلب حتى لو بدت متهورة… وهو يؤمن بالسيطرة، بالمسافات الآمنة، وبأن الإنسان الذكي لا يسمح لأحد أن يصل إلى داخله بسهولة.
هو عقلاني إلى درجة القسوة،وأنا متمردة إلى درجة الاحتراق.لكنه كان يحتاج جنوني ليشعر بالحياة،وأنا كنت أحتاج هدوءه حتى لا أتحول بالكامل إلى حريق.
أنا أقول ما أشعر به حتى لو بدا فوضويًا،لكنّه يزن كلماته، يراقب نبرته، ويتصرف وكأن الحياة كلها مفاوضات لا يجب أن يخسر فيها توازنه.
وكان من المفترض أن ينفر أحدنا من الآخر.لكن ما حدث كان العكس تمامًا.بطريقة غير مفهومة، هذا التضاد لم يصنع صدامًا بيننا بقدر ماصنع نوعًا غريبًا من التوازن.الرجل الذي يحسب كل شيء كان ينسى حساباته معها،الرجل الذي يخاف الفوضى كان يقترب من أكثر شخص فوضوي عرفه ،والرجل الذي اعتاد بناء الجدران حول نفسه كان يترك في جدرانه شقوقًا صغيرة كلما تحدث معها.
وهكذا…كانت يُوريم العاصفة التي تجرّه خارج منطقه البارد،وهو كان الجدار الوحيد الذي لم تستطع تحطيمه بسهولة.لهذا توافقا بطريقة مخيفة… كأن كل واحد منهما جاء ليوقظ أسوأ وأصدق ما في الآخر.
كان يبدو كيهام كمن يحاول النجاة من نفسه كلما اقترب من يوريم أكثر.يراقب كلماته، ثم ينسى حذره فجأة في جملة عابرة، في نظرة طويلة أكثر مما يجب، في اعتراف صغير يتسرّب منه دون إذن.كأنّها الخلل الوحيد في نظامه المرتّب بعناية.
لكنها فهمت جيدًا ما لم يقله.
بعض الرجال لا يخافون من الحب، بل يخافون من المرأة التي تجعلهم يفقدون صورتهم المتماسكة أمام أنفسهم. كان يحاول التظاهر بالسيطرة بينما عيناه تفضحانه….ذلك النوع من الرجال الذين يبدون ثابتين أمام الجميع… ثم تأتي امرأة واحدة فقط لتجعل كل هذا الثبات يبدو تمثيلًا متعبًا.
هو يعلم ….أنّها لم تكن امرأة مريحة بالنسبة له، كانت اختبارًا كاملًا لشخصيته.كانت الفوضى التي تهدد منطقه، والرغبة التي لا يستطيع تصنيفها أو السيطرة عليها أو حتى الهروب منها دون أن يعود إليها من جديد.أحيانًا…أفكر أن أخطر العلاقات ليست تلك التي تؤذيك مباشرة… بل تلك التي تجعلك ترى نسخة جديدة من نفسك لم تكن تعرف أنها موجودة أصلًا.
ربما لهذا تشبه علاقتهما أسطورة برسفوني وهاديس أكثر مما تشبه أي قصة حب عادية؛ ليس لأن أحدهما مظلم والآخر بريء، بل لأن كل واحد منهما يرى في الآخر الجزء الذي ينقصه. تجرّهُ هي نحو الحياة، و يجرُّها هو نحو العمق. وفي مكانٍ ما بين الربيع والعتمة… التقيا.
لا تزال يـوريم تذكر جيّدا تلك المحادثة القصيرة على الهاتف…عندما اتصل بها كيهام ذات ظهيرة. عندما بدا صوته مختلفًا، أقل يقينًا وأكثر تعبًا، وكأن كل ما أخفاه تحت جلده بدأ ينهار أخيرًا و هو يقول:
«يوريم… ضعي نفسك مكاني وأعطيني حلًا.أخبريني ماذا أفعل؟»
قالها كمن يبحث عن مخرج لا يجرؤ على اختياره بنفسه.
ثم ساد الصمت.
لم تستطع يوريم أن تجيب،تجمدت مكانها و بدأت الدموع تنحدر بصمت على وجنتيها، بينما ظل صوته يتردد عبر الهاتف منتظرًا جوابًا لن يأتي.لأنها أدركت أن المآسي كلها تبدأ حين نطلب من الواقع أن يمنحنا ما لا يستطيع منحه.و للمرة الأولى، أيقنت أن المشكلة الحقيقية لم تكن أنه لا يعرف ماذا يفعل.بل لأنها كانت تعرف أن بعض القصص لا تحتاج إلى حل….بل إلى معجزة.
ثُمّ ذات يوم، تحت شجرة الصفصاف التي بدت وكأنها شاهدة بصمتٍ على نهاية أشياء كثيرة قبل أن تبدأ، على الكلمات التي ظلّت عالقة بينهما طويلًا، وقفت يوريم أمام كيهام لتسمع اعترافه الأخير وهو يقول:
“في حياة أخرى…أو في عالم آخر… ربما كنا سنكون معًا.”
لم تسمع يوريم وعدًا رومانسيًا….سمعت اعترافًا وهزيمة في الوقت نفسه.كأنه يقول: أراك،أفهمك،أشعر بشيء تجاهك. لكن ليس في هذه الحياة….وهكذا حدث الشيء الأكثر قسوة.للمرة الأولى، شعرت أنها محبوبة…وفي اللحظة نفسها شعرت أن ذلك الحب مستحيل. بدا لها أن بعض الجمل لا تُقال لتمنح الأمل، بل لتؤكد استحالته. وكانت المفارقة أن تلك الكلمات احتوت كل ما أرادت سماعه، وكل ما لم تكن تستطيع الحصول عليه.
هو لم يقل إنه لا يحبها،ولم يقل إنه لا يريدها….قال شيئًا أشد قسوة من ذلك….قال إن المشكلة لم تكن فيهما.كانت في الحياة نفسها.في التوقيت….في تلك المسافة الصغيرة بين «لو التقينا أبكر» و«لقد فات الأوان». كأنّه كان يقول:أراكِ،أفهم كل ما لم تقوليه وأشعر نحوكِ بمايكفي لأتمنى لو أن العالم كان مختلفًا….لكن ليس إلى الحد الذي يجعلني أختاركِ في هذه الحياة.ولهذا لم تسمع في كلماته وعدًا بالمستقبل،بل رثاءً لمستقبلٍ لن يأتي أبدًا. لم يكن يعرض عليها حياةً أخرى…كان يعتذر عن هذه الحياة.
لهذا تُذكرني قصتهما بِزهرة زنبق العنكبوت الأحمر كثيرا…تلك الزهرة التي تزهر دائمًا عند لحظة الوداع.جميلة إلى درجة مؤلمة….وكأن بعض الأشياء لا تكتمل إلا حين تنتهي. مثل بعض العلاقات تمامًا….تلك التي تحمل كل عناصر الحب،عدا إمكانية حدوثه.
“يجب أن تسيطري على عواطفكِ… لا تتركي عواطفك تسيطر عليك.”
قالها كيهام بهدوئه المعتاد، وكأنه يلقي محاضرةً في إحدى قاعات الجامعة لا يواسي قلبًا يتداعى أمامه. كانت كلماته مرتبة ودقيقة إلى حدّ الاستفزاز، خالية من أي ارتباك أو تردد، كما لو أنه يتحدث عن معادلة يمكن حلها لا عن مشاعر تعجز أحيانًا عن فهم نفسها.
وظلت يوريم واقفة أمامه، عاقدةً ذراعيها على صدرها،تحدق فيه بنظرة امتزج فيها الاستياء بشيء آخر لم تستطع تسميته في البداية.مُحاولةً اخفاء الاضطراب الذي كان يعصف بها من الداخل.
كانت تريد أن تجادله،أن تخبره أن الحياة ليست معادلة رياضية،أن بعض الأشياء لا تستحق السيطرة أصلًا.لكن الكلمات اختنقت في حلقها.لأنها أدركت فجأة شيئًا لم يخطر لها من قبل،شيئًا أكثر إزعاجًا من حديثه نفسه…..أدركت أنها أمضت سنوات طويلة تبحث عن رجل يمتلك صفات معينة….رجل شجاع،صادق مع نفسه،لا يخاف من الحقيقة مهما كانت مؤلمة،يعترف بما يشعر به بدل أن يختبئ خلف الحسابات والمنطق والاحتمالات.ثم اكتشفت، بسخرية قاسية، أن هذا الرجل لم يكن يقف أمامها،بل كان ينظر إليها من المرآة كل صباح…كانت هي الرجل الذي لطالما تمنته.هي من اعترفت أولًا،وهي من امتلكت شجاعة مواجهة مشاعرها دون أقنعة،وهي من رفضت الاختباء خلف الأعذار. أما كيهام، الذي بدا دائمًا أكثر عقلانية ونضجًا، فكان في الحقيقة أكثر خوفًا منها،ليس خوفًا من الحب،بل خوفًا من الاعتراف الكامل بما يريده.وفي تلك اللحظة شعرت يوريم برغبة غريبة في الهرب…ليس منه.بل من الحقيقة التي اكتشفتها للتو….الحقيقة التي تقول أن الإنسان أحيانًا يقضي عمره يبحث في الآخرين عن الصفات التي يمتلكها هو بالفعل.وأن أكثر الاكتشافات إيلامًا ليس أن الشخص الذي أحببته لا يشبه أحلامك…بل أن تدرك أنك كنت أقرب إلى تلك الأحلام منه.
لم تكن يوريم عاجزة عن التحكم في مشاعرها.هذه كانت أكثر فكرة خاطئة يكررها الناس عنها.فقد كانوا يرون صراحتها فيظنون أنهااندفاع،ويرون شجاعتها فيظنون أنها تهور،ويرون أنها لا تهرب من مشاعرها فيفترضون أنها أسيرة لها.لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر خطورة.يوريم كانت فتاة ذكية تعرف تمامًا كيف تخنق ما تشعر به،تعرف كيف تبني الجدران،كيف تتظاهر باللامبالاة،كيف تكذب على نفسها كما يفعل معظم الناس.لكنها لم تكن تريد ذلك،لأنها كانت ترى أن كثيرًا مما يسميه الناس نضجًا ليس سوى خوف مهذب…وكثيرًا مما يسمونه سيطرة على النفس ليس سوى هروب متقن من مواجهة الحقيقة.
كان بإمكانها أن ترتدي برودًا يشبه بروده،لكنها لم تكن تريد أن تتحول إلى شخص يقضي حياته كلها في النجاة من مشاعره بدل أن يعيشها.ولهذا كانت تخيف كيهام أحيانًا…..لأنها كانت تمثل كل ما أمضى سنوات يحاول السيطرة عليه داخل نفسه.
هو كان يؤمن أن المشاعر شيء يجب ترويضه.أما هي فكانت تؤمن أن المشاعر شيء يجب النظر إليه مباشرة في العين….كان يخاف الفوضى التي قد تخلقها الرغبة،أما يوريم فكانت تخاف شيئًا آخر أكثر قسوة…أن تعيش حياة كاملة دون أن تعترف لنفسها بما تريده حقًا.
لم تكن المشكلة أنها لا تستطيع السيطرة على نفسها…بل أنها لم تكن تملك الرغبة في ذلك أصلًا. كانت تؤمن أن المشاعر وُجدت لكي تُعاش،لا لكي تُخنق،وأن الخوف من الألم ليس سببًا كافيًا للتوقف عن الشعور….وربما لهذا كانت تختلف عن كيهام.هو كان يتعامل مع عواطفه كشيء يجب احتواؤه والسيطرة عليه قبل أن يخرج عن المسار.أما هي فكانت تنظر إليها كبحر؛ قد يكون مخيفًا أحيانًا، لكنه يظل أجمل من حياة كاملة تُقضى على الشاطئ.
والحقيقة أن أخطر شيء ليس أن تعجز عن التحكم بنفسك.أخطر شيء أن تكون قادرًا على ذلك تمامًا…ثم تختار بكامل وعيك ألا تفعل.
ليس ضعفًا.
بل لأن جزءًا منك يرفض أن يعيش نصف حياة، أو نصف شعور، أو نصف حب.
عندما اختارت يوريم الرحيل أخيرًا، كانت يدها تستقر على المقبض بخفة،كأنّها تخشى أن يُبدِّد أي ضغط إضافي قرارًا استغرق منها عامًا كاملًا من الانكسارات لتتخذه .لم يكن في عينيها غضب ،ولا عتاب ،ولا حتى الم….كانت قد تجاوزت كل ذلك.
كانت هناك تلك الطمأنينة المخيفة التي لا تظهر إلا عندما يموت الأمل تماما.و يكف القلب عن انتظار المعجزات.
التفتت إليه للمرة الأخيرة،و على شفتيها ابتسامة باهتة،بدت اشبه بوداعٍ منها بابتسامة ،ثم قالت بصوت هادىء:
“لقد وجدت الحل الذي كنت تبحث عنه.”
سألها كمن يتشبث بآخر خيط:
“و ماهو؟”
أجابت و عيناها لا تفارقان عينيه : “هذا هو…”
لم ينطق كِيهام بحرف واحد.ظلّ واقفًا هناك مكتوف اليدين ،يُحدِّق فيها بِصمتٍ مُوجع و كأنّ عينيه تتوسلان إليها أن تبقى،بعدما عجز كبرياؤه عن فعل ذلك… و لأول مرة ،شعر أن النهاية لم تعد احتمالًا يخشاه…بل حقيقة تقف أمامه و تمسك بمقبض الباب.
ثم استدارت يوريم و غادرت المكان إلى الأبد.
وقف كيهام عاجزًا يُشاهد النهاية التي صنعها القدر…أو الوقت…أو ربما صنعها هو بيديه، و هي تغادر المكان و تغلق الباب خلفها.
وهكذا تركت يوريم هِيكام خلفها واقفًا كما هو،متأخرًا دقيقة واحدة على الاعتراف،وخطوة واحدة على اللحاق بها،و عمرًا كاملًا عن انقاذ مابينهما.
أعطته الإجابة التي قضى كلاهما عامًا كاملًا يؤجلان النظر إليها…كانت هي الحل….وكان غيابها أيضًا.
الغريب أن كيهام كان يظن دائمًا أن الشجاعة تعني البقاء.ولم يفهم أن بعض أنواع الرحيل تحتاج إلى شجاعة أكبر من البقاء.
الحقيقة أن يوريم كانت أكثر شجاعة منه مرتين…مرة عندما اعترفت،ومرة عندما ودعت.كانت هي الشخص الوحيد الذي امتلك الشجاعةالكافية لإنهاء ما لم يملك هو الشجاعة الكافية لبدئه.
اعترفت أولًا،وودّعت أولًا.أما هو فبقي عالقًا في المسافة الآمنة بين الاثنين.لا يملك شجاعة الاعتراف كاملة، ولا قسوة الوداع كاملة. هي لم تهرب…الجبان ليس من يغادر…الجبان هو من يترك الأبواب مواربة كي لا يضطر إلى الاختيار. ولهذا حين غادرت، لم تكن تهرب منه.لأنه أحيانًا يكون الحل الوحيد لمعضلة مستحيلة…أن يخرج أحد الطرفين من المعادلة.
في الخارج كان كل شيء كما هو…السماء نفسها،الشارع نفسه،العالم نفسه.لكن بداخلها كان عالمٌ كامل يطوي صفحته الأخيرة.







و كأني اقرأ قصة حياتي ، الشعور موجع بطريقه مرعبه
كمية مشااااعر بزاف كبيرة حبييت تفاصيل بزاف مقدييتش مبدعة😭😭😭😭