مِـرآة مكسورة لِرجل لا يحتمِل وجهه
هذا النص عن امرأةٍ تعلّمت أن تكون مرآة مكسورة… لأن الرجل الذي أحبّته لا يحتمل رؤية وجهه الحقيقي
أتذكر أول مرة قابلته فيها،كان يرتدي ملامح رجلٍ مكسور،يُلقي نكاته على الطاولة، يُضحك الجميع…وكأنه يحاول أن يُبعد أنظارهم عن الجثة المعلّقة داخله.
كان يغلّف اضطراباته النفسية بعبارات ذكية، يرقّع ألمه بنكاتٍ سريعة،كأن الكوميديا سترة نجاة لا تليق إلا بمن يغرق.
قال لي ذات مساء:
"أنتِ الشخص الوحيد الذي لا أضطر أمامه أن أرتدي أقنعتي…لا أعدّل جلستي،لا أرتّب ملامحي،و لا أراقب تصرفاتي، … لأنه و بطريقة لاأفهمها، أجد في حضوركِ راحة تشبه العودة الى الوطن".
ابتسمت ….لكن شيئًا ما بداخلي ارتجف..، وتمنيت حينها لو صرخت في وجهه، لأنني أعلم أن الرجل في الحب لا يبحث عن وطن، بل عن ساحةِ حربٍ تُشبهه.
قال أيضًا:
"أنتِ ضعفي الذي لا أفهمه… ظِلّ الشمعة التي راقصت في الظلام الطفل الصغير بِداخلي".
لكنه تجاهل الطفل الجريح داخلي،تمامًا كما تجاهل كل الأشياء في علاقتنا.
قال إنني الضوء…
لكنني لم أكن سوى مرآة عكست له ظلامه بشكل أجمل.
كان يدخل عالمي كهاديس،لا يقرع الباب، بل يفتح بوابات اللاوعي،ويجرّني برفق إلى أسفل،كان يحقنني بجرعات صغيرة من الحياة،ثم يسحبها، ليُذكّرني أنني لا أملك شيئًا. يتلذذ بي وأنا عالقة بين عالمين،لا أرض الآلهة الإغريقية تعرفني تمامًا ،ولا الجحيم يقبلني كاملة.
كنت أتماهى معه حتى صرت نصف ظل،نصف امرأة.
لم يدخل حياتي، بل سرقني من داخلي.
هو يعلم…
أن ما كان بيننا،لم يكن حبًا،بل مُجرد تجربة مختبرية لِجنونه … كيف تُضعِف امرأة دون أن تبكي،وكيف تجعلها تستسلم وهي تظن أنها تختار.
هل تنكسر إذا أهملتها؟ إذا قسوت؟ إذا قارنتها بالأخرى؟هل تبقى إن جرّدتَها من نفسها ببطء؟وهل يمكنها أن تعود إليك… حتى وهي مشوّهة؟
كنتُ بيرسفوني…
لكنه لم يكن يريدني كملكة، بل كرهينة تضيء عُتمته.
لم يكن حبًّا،بل اختطافًا.لم يكن عاشقًا،بل صياد أرواح، يتغذى على المرأة التي لا تموت فيه كليًا،يُحييها حين يشعر بالفراغ،و يُميتُها حين يشعر أنها بدأت تفهمه.
كان مرآة مشوّهة… تعلّمت أمامها أن أؤدي دوري بإتقان مرهق…
أن أبتسم و داخلي ينزف ببطء… كجثة جميلة تُجامل الحياة بابتسامة مزيفة.
أن أصمت بينما داخلي يصرخ كطفل تُرك في العتمة….كعاصفة محتجزة تنتظر أن تنفجر.
أن أضحك، و أحبس دموعي كلها بداخلي بصوت لا يسمعه غيري، لكنها تتسرّب ببطء، بين تشققات جسدي.
أن أقف متماسكة، كأن شيئًا لا يهزّني… بينما كل ما في داخلي يتهاوى بصمت، كانهيارٍ هادئ لا يسمعه أحد، لكنه يفتك بي ببطء قاتل.
علّمني أن أكون كل شيء… و لا أكون نفسي.
لكنني كنتُ أشعر…أن هناك شبحًا آخر يسكنه.
امرأة تندس في ضحكته، تختبئ خلف صمته،و تتسلل وراء تجاهله لي بلا سببٍ واضح.في طلبه المريب بأن نحافظ على علاقتنا سرًا بعيدًا عن الأنظار، عندما لم يبدو الأمر و كأنه يحاول الحفاظ على خصوصيتنا بل خوفًا من أن يُكتشف أمره.وعندما يكتب عن "التي يحبها" و أشعر أنها لا تشبهني، بل امرأة أخرى ليست أنا ،تعيش بين حروفه. في ارتباكه أمامي حين يُذكر اسمها فجأةً.عندما لم يمنحني يومًا هدية، بينما أغرقها بالكثير…كأنني خطيئة يجب إنكارها، وكأنها هي طقس اعتراف.
وحين ألتقطه شاردًا، والابتسامة تتسلّل إلى وجهه بخفة، وكأن ذكرى قديمة تربطه بها تعبره فجأة…. كأن الزمن، للحظة، أخذه إليها.
كنتُ أحارب شبحًا لا يظهر، لا يُذكر، لا يُسمّى.لكنّه كان هناك، حاضرًا أكثر منه.
ثمّ تأكدّت….حين تركني لأجلها، أنني لم أكن إلا ظلاً عالقًا في مشهدهما.
مثل ديانا، كنتُ الخيار الصحيح أمام الجميع، والاختيار الخاطئ أمام قلبه… كنتُ ديانا، لا بهالتها النبيلة، بل بجُرحها العميق.
وهي؟
كانت كاميلّا قلبه السري، غرفته المغلقة، تاريخه الذي لم تشفهِ منه الذاكرة.
أنا الحب العلنيّ الذي أراده صامتًا، وهي الخطيئة القديمة التي ما استطاع يومًا أن يتوب عنها.
هو لم يُردني، أراد فقط أن يُخفي من خلالي انحرافًا قديمًا… شيئًا جميلاً يُقنع به نفسه والعالم أنه بخير. جعلني واجهته، صورته المعدّلة أمام العالم، لأن جروحه لم تكن تليق بالعرض.
كنتُ ديانا… لا في حبّها، بل في موتها…موتها البطيء في كل مرة وقفت فيها أمام المرآة، ولم تعرف من تكون.
ما زلتُ أتذكر كلماته جيدًا، حين همس لي ذات مرة بشيء من الاعتراف:
"أنتِ التفاحة التي أثارت فضول آدم."
لم أفهم حينها…ظننتها مجازًا لفتنةٍ بريئة.لكنني كنتُ التفاحة فعلًا في قصتهِ معها.لا حوّاء،لا امرأة،لا شريكة.كنتُ الشيء الذي يُقضم، لا ليُحب، بل ليُعاقب عليه بعد ذلك.كنتُ الخطيئة التي حُكم عليها أن تُدان منذ البداية… وتُلعن وحدها في النهاية.
هو لم يرَ فيّ امرأة، بل اختبارًا إلهيًّا لِحبّه لحواء.
أنا التي لم تُخلق من ضلعه، بل من ظنونه، من هشاشته، من توقه لشيءٍ لا يستطيع أن يملكه دون أن يُفسده.
هو لم يحبّني، فقط أراد أن يرى هل يمكن لامرأة أن تُصبح خطيئة فقط لأنها أحبّت بصدق؟
بعد كل هذه السنوات لا أعلم إن كنت لا زلت تحبها… أو أنك فقط تكره أن تُهزم أمام امرأة لا تزال تملكك رغم مغادرتها.
أضحك، أكتب، أخرج مع الناس، وألتقط الصور كأنني نجوت.لكن شيئًا منك يعيش في تفاصيل لا أتحكم بها…
نبرة صوت في مقهى، موسيقى تشبه ضحكتك، ظل رجل يضع يده في جيبه كما كنت تفعل.
أكره أنني حين قطعتك… لم أخرجك، بل خبأتك في مكان لا أعرف طريقه.
تقول الوجوه من حولي إنني أصبحت أقوى، لكنهم لا يعلمون… أن القوة ليست أن تنجو،بل أن تحتفظ بإنسانيتك بعد أن تُستنزف بالكامل في حب يشبه المرض.
في الليل… أكتب إليك،أمزق الصفحة،ثم أعيد كتابتها…ثم أدفنها تحت وسادتي، وكأنك ستسمعها في حلمي.
لقد خرجتُ من دائرتك، ليس لأنني أقوى، بل لأنني سئمت الدور.وأصبحت أكره أن أكون البطلة في قصة لا بطل فيها.
ابقَ كما أنت…
نصف عاشق، نصف كاذب،وظلّ رجل… لا يملك حتى شجاعته.
كنتُ أكتب كل تفاصيله….كنت أرسم كل خدعة يمارسها ،كل كلمة ينطقها ، كل ارتباك في عينيه، و أفسّر صمته كما يفسّر الراهب نبوءته،ثم أخبئها في لوحة لم أوقعها أبدًا، لأنني لم أعد أعرف من أنا.
التي أحبته لم تكن أنا.
بل امرأة اخترعتُها لأقنعه أنها تستحق أن يُقاتَل من أجلها.
التي أحبته… كانت امرأة لا أعرفها.
ضعيفة بما يكفي لتغفر، قوية بما يكفي لتموت دون أن تصرخ.
لكنني أصبحت الآن أكثر وضوحًا في الداخل.أصبحت أنظر للحب كما ينظر القاتل إلى سلاحه بعد أول جريمة…بذهول، بنشوة، وبقليلٍ من الندم…لكن دون رغبةٍ في المحاولة مرة أخرى.
كنتُ مثل أغسطين التي استلهمت تايلور سويفت منها أُغنيتها… طيف موسم لا يُحتَفَظ به، ذاكرة تُروى لكنها لا تُمنَح حقّ البقاء.لم أكن سوى استراحة في طريق هروبه من ذاته، لحظة تظاهر فيها بأنه قادر على الحب، وهو في الحقيقة لا يبحث عن دفء، بل عن ساحة يعيد فيها تمثيل خيباته.
رأيته، مثل نرسيس، غارقًا في صورته عن الحب، لا في الحب نفسه.ورأيتُ نفسي، مثل إيكاروس، أطير نحوه باندفاع، رغم يقيني أنه سيحرقني.
لكنني، في مكانٍ ما داخلي، كنت أعلم أن هذا الاندفاع نحوه لم يكن حبًا... بل بحثًا عني فيه. كنت أظن أنني أحببته، لكنني كنت في الحقيقة أبحث عن نفسي من خلاله،وكأنها تجربة كان يجب أن أمر بها لأجد نفسي في النهاية.
ثمّ…
ولأول مرة، لم أصرخ. لم أهرب….فقط نظرت إليه كما تنظر بيرسيفوني إلى الجحيم،بعد أن فهمت أن الاحتراق ليس مصيرًا… بل خيار،كما لو أنني تذكرت أخيرًا من أكون.
ومررت.





السرد رائع 💞💞
استمتعت بالقراءة جداً كما أن المحتوى لامس روحِي للغاية " علمني أن أكون كل شيء..و لا أكون نفسي" لامستني . اكتبي المزيد 🤍